قصيدة المرأة السعودية – مقاربات تطبيقية
وفيق غريزي
حين تقترن الدراسة بالشهادة ، وتترافق الملكة الإبداعية مع الرؤية النقدية ، يكون للقراءة وهجها الذي تنفسح في ضوئها فضاءات النص فيبوح باسراره ويتوهج برؤاه،
ويصبح القبض على الحلم المتحرك الذي طالما استعصى على النقاد قاب قوسين او ادنى ، فاذا أضيف الى ذلك كله طاقات الاستبصار المكنونة في حدس الشاعر وحسه وعمق التجربة والمتابعةالدؤوب والجهاز المفاهيمي القادر على المساءلة ، والارتحال إلى ما وراء الكلمة والنبش في نخاعها الدلالي وتفجير شحناتها المعبأة بروح الشاعر وأنفاسه،كل ذلك مع امتلاك لناحية اللغة ، من شأنه ان يوفر ميدان الاشتباك الحميم مع النص الذي يحتشد في مواجهة ضروس واتزان حنون .
وكتاب ( قصيدة المرأة في المملكة العربية السعودية ) عمل على تتبع تطور الشعر النسوي في المملكة وتصنيفة ومرحلته وفق رؤية نقدية تجمع بين الجمالي والموضوعي ، فهو يتحدث عن الغنائية بوصفها صفة فنية جمالية ورؤية شعرية ، بعيدا عن التصنيف المدرسي التقليدي .
وتنبع اهمية هذا الكتاب من انفراده في تناول مراحل شعر المرأة في المملكة ، وشموله تجارب شعرية نسوية من جميع الاجيال ، ويخلص إلى ان قصيدة المرأة في السعودية تشبه مثيلاتها في الدول العربية من حيث تباين المستويات الفنية واتجاهات الشعر، لكنها لم تنل حظها الكافي من الإضاءات النقدية .
بداية المسار:
لقد كان نشاط الشاعرات السعوديات خارج بلادهن في حدود ضيقة جدا ، وليس لهن حضور في الساحة الادبية العربية إلا في بعض المناسبات النادرة ، ولعل ذلك عائد الى أنهن يدركن ان قصائدهن لم تصل بعد إلى المستوى الفني الذي يسمح لهن بالمغامرة في الانتشار او لاسباب شخصية.
وحسب رأي المؤلف الدكتور راشد عيسى ، لم يكن منجز شعر المرأةالسعودية يشكل حتى عام 1990 حضورا نوعيا مهما من الناحية الفنية ، فسلطانة السديري انسحبت من كتابة الشعر العربي الفصيح الى عالم الشعر النبطي والاهتمام بالجمعيات الخيرية النسائية ، وبقيت فوزية ابو خالد في شبه عزلة ، وصمتت رقية ناظر وثريا قابل لانتهاء المرحلة الغنائية ، ولم تواصل عزة فؤاد شاكر الكتابة لغلبة الخوطر على شعرها واهتمامها بنواح إعلامية اخرى ،ولم يستطع شعر مريم البغدادي التواصل مع التجربة الشعرية الجديدة ، ذلك انه شعر ممنوح إلى العاطفة الأنثوية الخالصة والأبنية الكلاسيكية . وعزفت خديجة العمري وغيداء المنفى عن النشر بصورة ملحوظة .
وقد مر الشعر النسوي في السعودية بمراحل هي :البنية الغنائية ، البنية الرمزيةالمجددة, والبنية التجريبية.. قصيدة النثر .
البنية الغنائية التقليدية:
ان الذات عند المرأة عالمية ومركزية والعاطفة اعلى وأوسع ، ولم يكن امامها إلا ان تسرد ذاتهاوتهرب عاطفتها بالشعر الغنائي الرومانسي ، والشاعرة الرومانسيةفي السعودية كغيرهامن الشاعرات العربيات من ذوات الاتجاه ، بالغت في الشكوى والأنين والتوجع واستدعاء الذكرى، والتمحور حول الذات بأحاسيس عاطفية فائضة، مخنوقةبقوالب غنائيةجاهزة ، تكاد الصورة الغنية فيها تضمحل ، وتوشك اللغةالشعرية فيها على الكسل ، ويطغى ضجيج الموسيقى الشعرية حتى لكأن القوافي مهندسة بتكلف وتعسف .
ويقول المؤلف: ” لسلطانة السديري فضل الريادةفي اصدار اول مجموعة شعريةعام 1956 في وقت كان فيه الصوت النسوي الشعري مختفيا ، وتنشر عاطفة الحب في ديوان سلطانة( ليت قلبي يطير) “. نبضا شاعريا روحيا يسيطر علي جديلة التداخلات النفسية، ويضيء بصورة او اخرى ظلال المعاني والفضائل على النحو الذي سلكه الشعراء الوجدانيون القدماء.
ويرى الدكتور عيسى ، إلى ان قصائد السديري تتجوهر في عمومها حول موضوع الحب بدفقات الرومانسية الذاتية المتأزمة، غير ان دائرة الحزن الخاص هي الاطار الشامل الذي يوحد كل أشكال البوح ويؤلف بين مفارقاتها المختلفة . ولذلك تلجأ الى استخدام الرمز والترميز . اما الشاعرة مريم البغدادي فلم تحد في قصائدها كلها عن المسار العاطفي المغرق في الرومانسية اللينة ويؤكد المؤلف ان مريم البغدادي اكثر زميلاتها عزفا على الاوتار الناعمة في قيثارة العاطفة ، وبالتالي : فقد اتسمت قصائد رقية ناظر بالبوح الذاتي الصادرعن الاحساس الخالص للمخاطب ( ابا ام اخا ام فارس الاحلام او نجوى ابتهالية دينية ) وقد سلكت مسارا تعبيريا واحدا هو الشكوى ووصف خلجات النفس المؤرقة بالعذابات المؤرقة المختلفة .
اما أنصاف بخاري فقد انصرفت عن تجربة النص الشعري التفعيلي بآفاقه الرمزية الجديدة ، وآثرت ان تبقى شاعريتها ضمن اطر القصيدة التقليدية شكلا ومضمونا . وانطلقت في شعرها من منظور إسلامي مع مجموعة من الأديبات المسلمات في توجيه المجتمع ، وتسليط الضوء على بعض الجوانب الهامة . ومن شاعرات البنية الغنائية هيام حماد قريش ونورة الخاطر .
البنية الرمزية المجددة:
ادى الشكل الجديد من قصيدة التفعيلة إلى التنوع الجمالي ، ، والى التوسع في التصوير الفني وأساليب اللغة الشعرية ، فكيف استطاع هذا الأسلوب الرمزي استحضار منظومة من أشكال الموروث ، كما عند ثريا العريض وأشجان هندي ، وكيف قدم جماليات تصويرية ولغوية وحوارا نفسانيا ، مع المكان كما ورد عند خديجة العمري وغيداء المنفى ولطيفة قاري . ويقول الموًلف :” حتى أكاد اجزم ان القول بان اهم المناطق الشعرية في شعر المرأة السعودية هو ما قدمته شاعرات هذا الاتجاه ولا سيما الشاعرات المذكورات مضافا اليهن فوزية ابو خالد في مجموعة من قصائد النثر “.
ومع أهمية هذه المناطق الشعرية على صعيد المعيار الفني إلا أن اتجاهاتها الرؤيوية لا يمكن ان تلاحظ إلا من خلال جدلية التعالق بين القصيدة والأعراف الاجتماعية والاخلاقية ، فمعظم قصائد الشاعرات هنا مواجهات مع واقع المكان صحراء ومدينة ورجلا وارثا تاريخيا دفاعا عن الذات التي تستشعر الاستلاب . ويرى المؤلف ان نصوص اي شاعرة لا تخلو من نسوية ضمنية او صريحة تؤكد الانتماء إلى قبيلة النساء والدفاع عن السلالة النسوية المتوارثة كمثل ما تمثله الشاعرة ثريا العريض بقصيدتها ( كلهن أنا ) والتي تصل إلى الصراخ بحنجرة جامعة لصوت القبيلة .
البنية التجريدية ( قصيدة النثر ):
في المملكة العربية السعودية حضور ملحوظ لقصيدة النثر بدءا بفوزية ابو خالد ومحمد عبيدات الحربي ومحمد الدميني واحمد الملا وغيرهم وصولا إلى الدغمق ولولو بقشان وزينب غاضب ومهى الجهني وهيلدا إسماعيل وإيمان الدباغ وحليمة مظفر وسارة الخثلان ونور المحيميد وبديع كشفري وغيرهم . وفي هذا المقام يقول المؤلف : ” قرأت فقرات لهيلدا إسماعيل تعبر فيها بمصداقية عالية واتزان جميل عن موقفها من قصيدة النثر ، فتقول : راقصتني أوزان الخليل مرات ، وكثيرا ما قصصت وكتبت رغم انني من هذا الجيل الحديث الذي اقتنى الحداثة رواء إلا انني اكره ان تتلبسني الرداءة حين انزع أصول القصيدة العربية لأجعل من قصيدة النثر طفلا لقيطا بلا نسب “.
ان نتاج الشاعرات السعوديات خاصة والخليجيات عامة يكاد يكون موازيا لزميلاتهن في الدول العربية من حيث الإصرار على التجريب ، وربما يتراءى لنا ان المرأة اكثر التصاقا بتجريب قصيدة النثر من الرجل ، ولعل مرد ذلك مساحة الحرية الفنية.
ويتناول المؤلف نتاج الشاعرة فوزية ابو خالد بالدراسة والتحليل حيث يشير إلى تأثرها التلقائي بتحولات المشهد الشعري في لبنان وسوريا تحديدا، اذ كانت اجواء الشعر انذاك تنبض بالنهضة الشعرية ، التي بعثها كل من انسي الحاج ويوسف الخال وأدونيس ومحمد الماغوط ، فعاشت فوزية ابو خالد مغامرة القصيدة الجديدة بسبب وجودها في بيروت ، لذلك بقي نصها غريبا على الساحة الشعرية السعودية .
ويتصور المؤلف ان نصوص هذه الشاعرة منذورة للرؤيا اكثر مما هي معنية بالمعمار الفني ، في نصوص مكبلة بالىوعي ، محاصرة بنبضات الفكر والاحتجاج على أشكال الاستلاب الانساني ، لكن بتوظيف الصورة الفنية المعاصرة وجماليات الانفعال اللغوي منه . ويؤكد عيسى ان هذه الشاعرة مسكونة بهموم الفقراء .. وشعرها اشتباك صاخب مع حركة الزمن ومتغيرات الحالة الراهنة، هذا الاشتباك المعاناتي هو الذي يتكثف في النهاية ليلد التجربة الشعرية لديها ، فكل قصيدة عندها موقف ، والموقف ينظر اليه من خلال منظار كلي شامل لان الموقف لا يحتمل التجزيء .
ان قصيدة فوزية ابو خالد موقف مضاد لأنماط الشر ، ورؤية مبجلة لمبادىء الخير والحق والجمال منتصرة للانسان وهمومه اينما كان ، لذلك تأخذ الرؤياالذهنية او الموقف الوجداني حصة اكبر من حصة الشكلانيةالجمالية في البناء .
الخاطرة الشعرية:
ثمة كاتبات سعوديات يكتبن الخاطرة الشعرية ، وهي نص يحتوي على خمائر شعرية من بعض تشبيهات وصور وقوالب مسجوعة ، لكنه نص فقير الى التجليات الجمالية التي تلزم القصيدة ، فلا هو نثر محض ولا شعر خالص . انما تداعيات عاطفية وبوح وجداني غير مستند إلى لغة شعرية فاتنة او صور فنية متجاوزة ، ناهيك عن فقره إلى الموسيقى الشعرية . وممن أصدرن من هذه الخواطر : عزة فؤاد شاكر وهدى الرفاعي . ويشير المؤلف إلى ان الادباء البارزين في المملكة أدوا دورا ترحيبيا تشجيعيا كبيرا للأصوات الشعرية النسوية ، وذلك بكتابةالمقدمات لمجموعاتهن الشعرية او تناول نصوصهن بالنقد الادبي …



