سجلوا عندكم

من أيام الصحافة الجميلة… ذاكرة فؤاد دعبول وتكنولوجيا آلات التسجيل 

Views: 342

المحامي كابي فؤاد دعبول

( صحافي سابق)

ليس من السهل أن تمرّ في مدرسة فؤاد دعبول الاعلامية ، دون أن يطبع في شخصيتك المهنية كإعلامي، بعضًا من خصاله وأفكاره وممارسته للصحافة على نحو مرسل وشفاف.

لم یکن فؤاد دعبول يحب استخدام آلات التسجيل في الأحاديث الصحافية ، وكان ينتقد باستمرار من كان يسمهيم بـ” حملة آلات التسجيل “. كما كان لا يطيق قصّ أخبار الوكالات وتكبيسها على الورق وتقديمها له مع عنوان من اختيارك… فهو كمدير لتحرير جريدة كان يؤثر صياغة الخبر بأسلوب المحرر وليس “كبس” الوكالات على ورقة التحرير أو نسخها.

اتصل بي منذ يومين الصحافي الكبير الاستاذ جورج طرابلي مطمئنًّا على صحة الوالد (فؤاد دعبول) مستذكرًا وقائع مشتركة معه من أيام الصحافة الجميلة، حتى ولو كانت هذه الوقائع تعود الى زمن الحرب .

يعلم القراء أنّ لجورج طرابلسي أسلوبه الفريد في صياغة المقالات وتحرير الاخبار، وهو الذي حقق فتحًا في عالم الصحافة المكتوبة محوّلاً الصفحة الأخيرة من الجريدة، والتي كانت مخصصة للأخبار الدولية العائدة لدول “العالم الثالث” وللاخبار الدولية التي لا تحجز مساحةً لها (بفضل أهميتها) على الصفحة الاولى في الجريدة.

عاد طرابلسي بالذكراة الى زمن لا زلت أذكره جيّدًا، وهو الزمن الذي طبع ما كان يُسمّى “بیروت الشرقية”، بزمن  “بشير وأمين”، وكان ذلك قبل انتخاب الشيخ بشيرالجميل رئيسًا للجمهورية وانتخاب الشيخ أمين الجميل رئيسًا بعد استشهاد بشير.

يسرد طرابلسي أنه بعد جهد جهيد استطاع ووالدي أن يحجزا موعدًا لدى الشيخ أمين في بيت إقليم المتن الكتائبي (في الجديدة)، ففرح بالمهمة وابتاع أحدث آلة تسجيل كان يمكن شراؤها في ذلك الوقت، أي في أواخر السبعينيات أو مطلع الثمانينيات. كانت آلة التسجيل حسب جورج طرابلسي على قدر عالٍ من التكنولوجيا الى درجة أنه تباهى بها خلال إجراء الحديث الصحفي مع الشيخ أمين، ولم يحمل معه لا ورقةً ولا قلمًا.

أما فؤاد دعبول فكان يشارك في طرح الاسئلة ويكتفي بالاستماع إلى الاجوبة الصادرة عن الشيخ أمين.

وصل طرابلسي الى مبنى الجريدة حاملاً آلة التسجيل الأكثر تطورًا في زمانها، متباهيا بها أمام زملائه، وجلس إلى طاولة مكتبه ليباشر في “تفريغ”  الحديث… فسمعه جميع من كانوا في مكاتب الجريدة صارخًا: يا إلهى ماذا فعلت بي هذه الآلة؟

 اكتشف طرابلسي أن “الكاسيت: التي تشغلّها الآلة خالية من أي صوت، فأدرك هول الكارثة.

كان الشيخ أمين ينتظر قراءة الحديث في اليوم التالي، فأصابته الرهبة ودخل مكتب فؤاد دعبول يخبره بالأمر قائلاً : نحن أمام كارثة.

بعد مرور ساعتين من الوقت، اكتشف طرابلسي أن الحديث الصحفي موجود بكافة تفاصيله على مكتب فؤاد دعبول الذي كتبه كاملاً بالاستناد الى ذاكرته. فقال له: لقد أنقذت ذاكرتك الموقف.

نعم إنها صحافة الزمن الجميل، التي تنبّأ فؤاد عبول لنفسه عند اقتراب أفول زمانها هذا، حين قال إنها ستفقد رونقها مع استخدام الآلات والكومبيوتر وتوقف استخدام القلم، وأنا سأتقاعد عندما تصبح الصحافة ممكننة بكاملها.

وهذا ما حدث.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *