إلهام الكلاب: جورج شامي بحر فكر وسيرة إبداعية مذهلة
د. إلهام الكلاَّب
شاهراً صولجان الكلمة، يتهادى جورج شامي بسنواته الخصبة التي تقارب التسعين، وبكتبه الشيّقة التي تقارب الخمسين… بتهادى قوياً، ساخرا،ً ساحراً، مجلجِلاً برنين ضحكته وبرَجّة قدمه على ارض الزمن.
ومن يحاول اختصار القول في عطاء جورج شامي المتنوّع والابداعي، او في حياته الممهورة بالتحدي والتجارب ، هو كمن يسبح في لجٍّ، او كمن يعبئ هيجان محيط في صدفة، او يختصر بحراً في موجة… بينما هو ينتشر كمحيط، ويثور كاعصار ، ويلتف كرفق موجة.
كيف ستكون – لمن يحاول اختصارالقول- شراهة بانتاغرويل بطل رواية رابليه في التهام كل ما كُتب، وبراعة واقتضاب بطل رواية مونتاين في تنظيم كل ما قَرأ؟
بشراسة واناقة اعتنق جورج شامي الكتابة، وسعى الى تكريسها كصلاة يومية تعتقه من شقاء الاقدار ونعاس الايام…التصقت اصابعه بقلم يسّطر به نهمه الى الحياة، وقدرته على تسجيل تفاصيلها، وتذوّق هنيهاتها، وتقديس مهابتها.
لم يشيّد هذا الروائي قصوره الادبية الشاهقة كي يرتاح ويطمئن، بل ليفتح نوافذه على مفاجآت العالم وروعته، ويتخفّف من ثقل انجازات وتجارب مشهودة، كي يمتطي صهوة ايام مقبلة بخميرة عمر، وشقاوة عاشق، وشجاعة فارس.
وبمواجهة كل الاعاصير، هندَس جورج شامي حياته بنفسه بدقة واتقان وفرح… دقة في التفاصيل، اتقان في المفاصل، وفرح اسطوري يبارك بزيته ويغسل بمائه المترقرق كل غصة وخيبة.
واذ اقدم على كتابة سيرته، سيرة غاضب في العشرين،مغامر في الثلاثين، بارع في الستين، متجدد في الثمانين، وهي الفائقة التنوّع والانجازات، وصفها بالعادية كي يسخر بلامبالاة من كل كبرياء ومبالغة واطناب.

هي سيرة حياة مذهلة، اعتبرها اطول رواية كتبها، جبلها من ترابه ورصعها بفسيفساء متقنة اكتنه اسرارها وعبث بالوانها.
بدا لنا كذواقة يلتهم الزمن ويتأنى في تذوقه، ينافس نفسه بصدق وعناد، ويأبى لا ان يقلب حياته على جمر حارق.
احب الحياة كعاشقٍ ابدي مهما جانبت توقعاته، وانتصر دوماً على ضعفها وراودها عن اذيّته، وواجهها بملامح ونظرات جُبلت بالتحدي والسخرية والذكاء.
والحياة عنده قطار طويل وسكة ومحطات… ولذة ارتحال…والكتابة عنده رحلة لا يرجو منها وصولاً ولا راحة…هي نسق حياة…سبحة لا نهائية… ومحطات عديدة صفر فيها القطار وانزل بعض ركّابه، وبقي يُكمل بهجة الاستكشاف، يعاند الصعوبات، ويحوّل التعب الى ثمار، والثمار الى لذة…
هو اديب مثابر مُجدّد، يراهن على الكلمة وامداء وحيها، يصطفيها كميثاق خلاص، يرميها كنردٍ اكيد من ربحه او يناوشها كأفعى في جحرها.
واغنته الصحافة بتجاربها ، بأهمية اللحظة، وهشاشة الخبر، وديمومة الحدث، فكان اعلامياً رحّالة، مصارعاً يشتاق الى حلبة، ما ترك ارضاً الا ووطأها ولا موقعاً الا واستحقه.
وعلى مدى قرن كامل، هذا القرن الذي عرف الازدهار والانكسار، الحياة الهانئة والحياة القاسية، عرف جورج شامي، زهو المدينة وقعرها، ليالي انسها وعتمة بؤسها، فكان روائياً مؤرخاً بشغف والم لمدينة تتهاوى بالبؤس والحرب، هاذياً، مُفكراً، شرساً، يطلق العنان لقسوته او يهدئ من روع نفسه، يهاجم صدقاً او يهادن لطفاً، ثم ينفجر دوماً كسهم ناري هادف، جميل وحارق.
ذهب في رواياته الى اقاصي العذاب كما الى اقاصي العشق، متقناً شهوة الاسترسال وبراعة الومض… يكتب ويكتب وكأن الكلمات تتوالد وتنساب بسعادة الى ناشره وبسهولة الى القارئ من اصابعه المتعرشة على قلم لا ينضب حبره.
يسكن جورج شامي رواياته ويراقص ابطاله… ابطال يجسدون المواقف الاساسية من الوجود في واقعية نزقة وعبثية معاصرة…اشخاص تستفّز القارئ في ثنائيات السفالة والنبل، الفقر و الغنى، الحب والحرب، واشخاص تذوب رقّة وحناناً.
لا يحاول جورج شامي ان يسترضي قارئه او يستميله او يمجّد ابطاله. هو يصافح البؤس البشري، ويروي سقوط الانسان في هاويته، ويفتح بجرأةٍ ستارة تفضح ما نوّد ان نخفي لاراحة ضمائرنا… يكتب الحياة مشدداً على وجهها المُعتم كي يحتفي ببهائها المتعالي على التراب المُعّفر.
وهذا الاديب، فنّان، رسّام، يتماهى وصف مشهدياته الانسانية مع لوحة الصرخة على الجسر للفنّان مونش ولوحة الاجساد المتلويّة في عذابها ومصيرها، عند الفنان بيكون، ولوحة مآسي الحروب ومهانتها في غرنيكا بيكاسو… هو صراخ القرن العشرين ادباً وفناً.
ولكن…في الوجه الآخر، كما بين التراجيديا الاغريقية والكوميديا الايطالية ، كان جورج شامي يقهقه على الحلبة وفي الكواليس، يسامر ويضحك ويتنقل من “اعصاب من نار” الى “سمك لبن تمر هندي” ومن “عصير الزنزلخت” الى”اغمار من الموّدات”، ومن ” النمل الاسوّد” الى “كلب النافذة”.
هو واقعي فجّ في سبيل الحقيقة،
وروحاني حالم في سبيل الحّق،
يتحول من مُوقِدٍ لقصصه الى بطلها، يصف البؤس لانه يتقن الحبور، يقتصد في الوصف تحفيزاً للمخيلة والايحاء، ويُبرعم رغبته الدائمة في الحياة دون انتظار موسم او ربيع.
وهو اليوم يحتفل بتقديم مكتبته الخاصة او مائدته السرّية، الى جامعة مدرسته القديمة، كصلة وصل بينه وبين اجيال معاصرة شابة، يطلعها على زاده الفكري ويستحثها على الاستزادة والابداع.
لا يزال جورج شامي وبالحاح ينادي على الكلمات، ينهرها عند اللزوم، ويعلي من شاعريتها حتى اللهاث… وحتى اليوم لا يزال يكتب ويكتب ويفاجئنا بنكهة بداية ما، كطعم اول حبة لوز اخضر تُبّشر بموسمها الطيّب والخاطف.
لا تقلق يا جورج فمواسمك واعدة… وان لم استطع في هذه العجالة الا ملامسة زبد موجك… فالحياة تخشع لك،
وقد كرّمتها في ادبك الانساني،
وكرّستها في عيشك المتوّهج الخصب.
****
(*) ألقيت في ندوة “جورج شامي الصحافي والروائي” التي نظمتها جامعة الحكمة-بيروت، برعاية رئيس أساقفة بيروت المطران بولس مطر لمناسبة تقديم مكتبة جورج شامي إلى الجامعة.



