قراءة تفكيكيّة في مسرحيّة ” بستان الكرز” لـ أنطون تشيكوف
د. جيمي عازار ملكي
الهدف الأساسيّ هو تقويض مسرحيّة ” بستان الكرز” ، والتقويض هو عمليّة تأويليّة تهدف إلى التّركيز على عنصر الغياب الذي تفرضه المسرحيّة ومحاوراتها. لذلك لا بدّ من الانطلاق من داخل النّصّ المسرحيّ ، وبالتحديد قراءة ما هو لغويّ فيه.
ونطرح مجموعة من الإشكاليّات لننطلق في دراسة تفكيكيّة لهذا النّصّ المسرحيّ أهمّها:
-هل يمكن معرفة الواقع من خلال المحاورات في بستان الكرز؟
-هل توجد حقيقة أساسًا من خلال تعدّد الآراء في ” بستان الكرز” ؟
-ما موقع كلّ شخصيّة في دائرة الذّهنيّة الرّوسيّة التي تدور في صراعها الطّبقيّ؟
إنطلق التفكيكيّون من الكتابة الأدبيّة بحسب دريدا:
” كان اهتمامي الأكثر ثباتًا، لا بل قبل الاهتمام الفلسفيّ، إذا كان الأمر ممكنًا، يتّجه نحو الأدب، نحو الكتابة المسمّاة أدبيّة” ([1]).
وقد ساهمت كتابة النّصّ التشيكوفيّ في خلق نواة من أجل كشف تناقضات الكلام وفضح مآزقه المنطقيّة.

1-التركيز في النصّ المسرحيّ:
تتوزّع المسرحيّة على أربعة فصول متناسقة، ونلاحظ أن ّ حركة الشخصيّات سريعة من حيث الفعل وردّة الفعل في أكثر الأحيان، على سبيل المثال:
” – دنياشا: يا إلهي، يا إلهي (تخرج دنياشا بسرعة)
-فيرس (مستعجلًا قرب إبريق القهوة)…. ” ([2]).
أما الأدوار التي لعبتها الشّخصيّات فهي منسّقة ومهمّة حتى وإن ظهر بعض الأشخاص بصفات أو بمركز الخدم. لكنّ الجميع اجتمعوا في بوطقة غريبة، وهذا سرّ براعة تشيخوف الذي حوّل النصّ المسرحيّ إلى بستان كرز فعلًا، فالكلّ يفعلون ويتكلّمون ويضعون ويتناوبون على تجسيد الأفعال.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ دريدا أحلّ فلسفة الغياب مكان الحضور، وبما أنّ وظيفة القارئ التفكيكيّ تتحدّد بأنّ يزيل طبقات المعنى التي تكلّست فوق المعنى الأوّل للكلمة (بحسب نيتشه) ، ولكي يفهم القارئ العنصر الذي يعلو على منطق الفلسفة، لا بدّ له من أن يحدّد دورها في جهو واحدة من القراءة ، لكي يترك المجال مفتوحًا لاستخراج الغياب.
من هنا كَثُرَت الأسئلة التي طرحها تشيخوف حول الوجود، وهي تحتاج إلى أدوات حفرٍ منطقيّة لكي يفهمها المجتمع قبل القارئ. على سبيل المثال:
” –تروفيموف: الجنس البشريّ يتقدّم إلى الأمام ، كلّ شيء غير موجود سيصبح في يوم من الأيّام قويًّا وواضحًا، ولكن يجب أن نعمل …” ([3]).
كذلك الصّراع الطّبقيّ الذي طرحه بقوّة في كلّ فصلٍ من فصول المسرحيّة. وهو واقع مرير ترك أثره في الحقيقة وفي الكذبة:
” بيرمولاي الجاهل الذي كان يُضرب بالسّوط، الذي اعتاد أن يجري حافي القدمين في الشتاء، كيف أنّ بيرمولاي ذاته قد اشتري الملكيّة التي لا مثيل لها بجمالها… لقد اشتريت المكان الذي كان أبي وجدّي عبدين فيه…” ([4]).
أمّا الثّورة وهي حقيقة أخرى فاعلة في المسرح الروسيّ بشكل عام ، فقد اندلعت بين حروف النصّ التشيكوفيّ، وأرخت ذيولها على أفكار ناسٍ ثاروا كلّ يومٍ على وجعهم واعتادوا عليه:
” عندما تحرّرت روسيا كنت حينها رئيس خدم، ولكنّي لم أرد أيّ حريّة في ذلك الوقت، لقد بقيت مع سيدي (لحظة صمت) . أذكر جيّدًا كم كان الجميع سعداء، ولكنّهم لم يعلموا لماذا كانوا سعداء” ([5]).

2-أدوات الحفر التّفكيكيّة:
-المدّة الزّمنيّة:
نلاحظ أنّ الأفعال وبحسب أزمنتها تقصّر المسافة أو تطيلها بحسب الحاجة أو ردة الفعل:
“أناستازيا أيضًا ماتت. بيتر غادرنا وهو يعمل في مركز الشّرطة الآن” ([6]).
فالموت والمغادرة وجهان لحالة واحدة جديدة وهي الاستمرار (العمل).
الرحيل
الغياب العمل.
-النّقاط الثّلاث:
هي علامات وقف تُظهر في معظم المحاورات في المسرحيّة حالات القلق أو متاهة الحوار وازدواجيّة مساره:
” –لوباخين: كم سترسل؟ عشرة آلاف جنيه؟ عشرين ألفًا؟ .
-السيّدة رانيفسكي: ” آه لا… ألفًا أو خمسمائة على أبعد تقدير” . ([7])
“- غاييف: ربما هو صوت طائر ما… مالك الحزين، أو شيء آخر .
-تروفيموف: أو بومة…” ([8]).
يؤسس تشيكوف لعبته الحواريّة على ما يشبه الوقفة في سبيل كشف المستور، وما متاهات الحوار هنا سوى لعبة يظهر فيها براعته في التقطيعات الطويلة والقصيرة وحتى التشتيت.

-التكرار:
هو عنصر مهمّ من عتاصر التفكيك لأنه مفتاح الحقيقة، وينطلق من بداية غير موجودة:
” –السيدة رانيفسكي: آه طفولتي، طفولتي البريئة. اعتدتُ أن أنام في هذه الغرفة، أعتدتُ أن أنظر من هنا إلى الحديقة… ” ([9]).
هذا هو السّر المنشود، أو البداية الغائيّة، لأنّ هذه الشّخصيّة ربما ارتبطت بالأمكنة المذكورة بحكم العادة وليس بقياس الحبّ أو الاتّصال الأوّل، إنّها تأويلات أو مكتسبات تحلّق في فضاء النّصر لتتكدّس المعاني، وهنا صعوبة العودة إلى البؤرة الأم/ الأولى.
-اللغة:
إذا جاز لنا التّعبير، إنّ الكاتب كان صاحب نفس لغويّ قصير، فالمحاورات قصيرة، ولغتها أحيانًا تخرج عن إطارها الكلاسيكيّ لتطال طبيعة النّاس المتقلّبة بسبب مناخ روسيا البارد بشكل عام، وعوامل أخرى كالخوف والفقر والعبوديّة وغيرها.
“- شارلوت: الآن انتباه، رجاءً، خدعة أخرى. هذا شال، وهو شال جميل، من يشتري؟ من يشتري؟ “([10]).
دفعنا تشيكوف إلى صرف النّظر عن اللّغة المنظمة، والبحث عن سرّ اللامعقول واللامنطق. وشخوصه بقدر ما تمثّل دورها في الحكاية المسرحيّة بقدر ما تكون بوقًا أو صوتًا تحمل رؤًى وايديولوجيّات تتخطّى حدود السّرد والدراما العاديّة.

-التناص والتلقّي:
مسرحيّة ” بستان الكرز” تلتقي مسرحية ” الزنزلخت” لعصام محفوظ، وعلى الرغم من اختلاف البيئة الحاضنة للنصّين، هناك نقاط مشتركة بارزة بين الاثنين:
-تدور المسرحيّتان حول حدث يتصاعد ويتطوّر ويتغيّر بالجدل والحوار.
-تحاول الشخصيّات استرجاع ماضٍ ضاع.
تطرح المسرحيّتان قضية من القضايا الإنسانيّة المهمّة.
-البطل في المسرحيتين يرمز إلى الوحدة التي يعانيها الإنسان عندما يدرك إنسانيته مع ذاكرة تستفيق من واقع قديم.
-العنوان: زنزلخت/ شجرة صلبة
بستان الكرز/ تناسق واختلاف
أمّا التلقّي فهو مفتاح السّر لأنّ الرموزيّة اللامعقولة نقلت عبث الحياة وقلقها بحثًا عن الخلاص.
إذا عدنا إلى الإشكاليّات المطروحة، نلاحظ أن تشيكوف عرّفنا إلى واقع منقلب ومجتمع يرزح تحت ثقل العبوديّة والاستغلال. وقد حاول تلوين الحقيقة المرّة بمحاورات الحبّ الجافّة إذا جاز التعبير، وقد توزّعت الشخصيّات بحسب إطار كلاسيكيّ جامد عكس طبيعة المجتمع الروسيّ الذي اختصر واقع ثقافة في تحوّلها العنيف بين السادة والخدم، الكبير والصغير، التقليديّ والمتحرّر.
في الختام، مسرحيّ’ ” بستان الكرز” بستان فكرٍ ثورويّ فاعل علّم في أجيال وأجيال، ونهض بذيول الأنانيّة والسّخافة والظّلم صوب محاولات، إذا جاز لنا التّعبير، جاهدة في التحرّر على الرّغم من الشّكل الخامد أو مشهد الرّحيل الذي ختم المسرحيّة (المنطق/ واللامنطق/ الحقيقة / الكذبة).
***
1-Derida, Du droit à la philosophie, Paris, Gallimard, 1990, p443.



