“إجت المحطة وأخذتنا”
د. جان توما
كان القطار الآتي من بعيد يلاحظ حجري وقرميدي، ويعرف أنّه سيقف هنا ليرتاح، ويعرف أيضًا أنّ عشرات المسافرين سيخرجون من باطنه، بعد احتضانهم لأيام سفرهم، كما خرج يونان من بطن الحوت ليشهد لربّه.
أنا المحطة التي دمّرها الحرب، أو أسياد المعارك وعبيدها. أنا المحطة التي استقبلت النازحين والهاربين والقلقين على مصائرهم ، على اختلاف مللهم وألوانهم، ونزلوا في الميناء البحريّ بأمان، منهم من بقي هنا ومنهم من تابع إلى الأرض الزراعية أو إلى الأحياء الصناعيّة.
هل يستعيد أهل مدينة طرابلس همّمهم في إطلاق المشاريع العامة كما في العام 1908، حيث اتخذ عدد من العائلات الطرابلسية قرارا بإنشاء محطة قطار ، بأموالهم الخاصة، تربط مدينتهم بأوروبا عبر حمص وحلب وإسطنبول وصولا إلى باريس؟
هل يعود وينطلق القطار اليوم من ميناء طرابلس كما انطلق، للمرة الأولى، باتجاه حمص في منتصف العام 1911 وسط احتفالات عمّت أرجاء المدينة احتفالا بالانجاز؟
هل تكون حيوية الموضوع الاقتصادي حاسمًا في إطلاق عجلة القطار من طرابلس كونها تربط ميناءه بسوريا والخليج والعراق، وأوروبا؟
هنا بكى كثيرون وداعًا أو استقبالًا، وهنا وقف نازحون من هذا الشرق المعذّب يتأملون استدارة رغيف خبز، عارفين أن هذه الاستدارة هي استدارة عمر الصغار في فوضى حروب الكبار.
هنا كتب المتألمون تاريخ النزوح والتهجير في النصف الأول من القرن العشرين، وهنا فاضت أرواح كثيرين، وتشدّدت أرواح آخرين، فعملوا وكدّوا وكانوا على مستوى طموحاتهم في بناء الحياة الجديدة على هذه الأرض الجديدة.

(*) الصورة محطة القطار في مدينة الميناء شمالًا



