جان توما ورغيفه الأدبيّ، صباحًا
إيمان ريدان
إنّي أتساءل!!! أنا القارئة، أنا الكاتبة، أنا الإنسانة…الّتي تحاول أحيانًا القبض على بعض لحظات تجلٍّ، وتواصل -ولو قليلة- مع النّبع الشّعريّ الزّلال.. (https://radioyskl.com/) أتساءل كيف يُتاح لأديب شاعر أن يذّوب قلبه وفكره يوميًّا في محبرة، فيمسي سوادها الحالك ألوان قوس قزح، تضيء سماء مكفهرّة، فتترك بصمتها في المكان، طالما أنّها المرئيّة، المتباهية، المبهرجة بالانعكاسات الأولى لشمس الإبداع.
أيّ ليل مبارك هذا الذي تحمل حلكتُه، بشائر ضوء وليد، فيقطف من نجوم مسافرة بعضَ ألق، ويتدثّر من غلالة قمريّة ببعض خيوط_وما زلت أتساءل_كيف… وكيف تسكن الأفكار بخفر، وتنهض مقدامة، جسورة، واضحةٌ معالمُ طريقِها، أمام أديب شاعر، لا يضيّع الدّرب يومًا، ولا يمشيه من دون زاد يغنيه، ورفاقَ المشوار.

جان توما الأديب الشّاعر يقوم ” في الفجريّات” يعجن عجينة من طحين معجمه الّلغوي، ويخبز الرغيف ليوزّعه صباحًا على متذوّقي الّلغة، والصّور الفنّية.
بالأمس كم أغنانا حصادُه، ومثله، تمنحنا يوميًّا تلك الصّباحات المكتوبة، المضمّخة بالحبّ والنّور، أملًا برؤية العالم من منظار أبهى وأكثر إنسانيّة. هي المنشغلة بالتّفاصيل الدّقيقة الّتي فيها عمق المعنى، طالما أنّها تنطلق من بؤبؤ العين إلى المشهد الشّامل، والعكس صحيح…
أحببت في مشهد نصّ ” مواسم حصاد” اختلافه عن المشاهد الأخرى، فالأديب الشّاعر وحده، يحقّ له أن يعيش أدوار الآخرين، ويحمل عنهم أعباء السّنين وكدح الزّمن. هو يرى الحياة بعيونهم، ويتنفّس آمالهم وخيباتهم…
مشهد “مواسم حصاد” كان فيه نسج بعيد عن ملوحة البحر وتقلّباته، فيه الأماني والمخاطر محصورة على برٍّ آمن، على خمٍّ وكوخ، وسوق بيض، وذاتيّة مغرقة بالتّساؤلات الوجوديّة..
يضاف إلى كلّ ذلك، تكاتف الصّور المشغولة بلغة متمكّنة، غنيّة، وقاموس ينفتح على مفردات متاحة، ولكنّها بيد أديبنا الشّاعر مفتوحة على عوالم أخرى، وصور بهيّة (ألقي عليها شال الّليل، وأكشف نور الفجر باكرًا…) …
قد يُمضي الإنسان عمره كلّه، باحثًا عن البيضة التي تبيض ذهبًا، وقد يغفل أنّ كلّ ما يمسّه، يمسي ذهبًا طالما أنّه متعلّق بقناعة ورضى، ومشاعر في محراب الحبّ لا تسلّم زمامَها إلا لقلب وفكر شاعر.



