مَهمة «هبة» وقلّة الهيبة
خليل الخوري
لست أدري لماذا يصرّون، عندنا وفي العالم أجمع، على تسمية أعتى العواصف وأشدّها عنفاً وربما أكثرها ضرراً بأسماء النساء… وهي تسميات أعترضُ عليها لأسباب عدة، منها أنني لا أرى أي مجال للشبه بين هذه الظاهرة الطبيعية والمرأة التي هي (في نظري واقتناعي) سر الوجود وروعته ولمسة حنانه وواحة صحرائه… ولولاها لكان العالم جافاً مكفهراً تأكله الوِحشة… ولعل هذا المجتمع الذكوري، الذي تمتد صلافته على العالم أجمع، حتى تلك البلدان التي للمرأة أدوارٌ بارزة فيها، لم يشأ إلا أن يمارس التمييز الجنسي حتى في أحكام الطبيعة ونواميسها، فتعمّد تسمية العواصف الهوجاء بأسماء النساء.
المهم أن العاصفة التي استضافتها بلدان هذه الناحية من كوكبنا لملمت نزقها وهيجانها وغادرتنا أمس تاركة وراءها خيراً عميماً «مبيِّضةً» وجه لبنان بهذا الوشاح السحري، مع لسعة البرد القارص، وعلى وعد أن تزورنا في طالع الأيام إحدى قريباتها في مهمة قد تقيم عندنا أياماً معدودة، تُضيف إلى وشاح نسيبتها «هبة» من إبداعها روعةً على روعةٍ…
وإذ ترحل «هبة» تبقى قلّة «الهيبة» تُثقل علينا أيامنا والليالي، بـ»فضل» هذه الجماعة السياسية التي ابتُلينا بها، والتي فعلت بنا، طوال عقود، ما لم ولن تفعله العواصف وسابقاتها وحفيداتها… من أضرار لا حصر لها، وسلبيات لا حدود لها، فأفقرت شعبنا، وجوّعته، وأذلّته، وجعلته كالكريم على موائد اللئام… وليس من إثم لم ترتكبه في حقنا، وبحق وطننا المصلوب على خشبة الجشع والطمع والفساد واللصوصية والارتهان للخارج… «هبة» رحلت، أمّا قلة الهيبة، وندرة الأخلاق، والشر المتمكّن من النفوس (إلخ…) فلن يُخلّصنا منها إلّا الله.
إذ إننا لا نُعوّل كثيراً على الانتخابات النيابية المُقررة، قانوناً، في الخامس عشر من شهر نوّار المُقبل اعتقاداً منّا أنّها، في المبدأ، لن تُجرى. وحتى لو أُجرِيت فإننا لا نرى فيها مجالاً حقيقياً للتغيير باعتبار أن الجماعة السياسية ذاتها لن تُبدّل في نهجها ومُمارساتها الخاطئة مع عدم توافر اقتناع لدينا بأن صناديق الاقتراع يُمكن التعويل عليها في إحداث «قلبة» نوعية. إذ عموماً سيبقى (مُعظم) القديم على قدمه.



