مئوية الموسيقار توفيق سكر (1922-2012)… مُجدد كبير في الموسيقى والفولكلور اللبناني
سليمان بختي
الموسيقي توفيق سكر (1922-2012) هو أحد المجددين الكبار في التراث الشرقي.
هو أحد أعضاء عصبة الخمسة التي أسست هوية فنية للموسيقى والغناء اللبناني. ضمت عصبة الخمسة إلى جانب توفيق سكر عاصي الرحباني (1923-1986) منصور الرحباني (1925-2009) زكي ناصيف (1916-2004) وتوفيق الباشا ( 1924-2005) وقد سميت عصبة الخمسة تيمنا بعصبة الخمسة الروسية التي ضمت كبار الموسيقيين الروس في القرن التاسع عشر.
لاحقا خرج توفيق سكر من العصبة وحل مكانه المايسترو عبد الغني شعبان (1925-1977).
اجتهد توفيق سكر على طريقته لتطوير الموسيقى الشرقية وحقق إنجازات بقيت مرتبطة بإسمه.
هو أول لبناني يدخل الكونسرفاتوار الوطني في باريس عام 1949. وأول من وضع المناهج التعليمية لبعض الآلات الموسيقية في الكونسرفاتوار الوطني. هو الذي علم فيه منذ عام 1953 ثم أداره من عام 1964 حتى 1969.
أما إنجازه الإشكالي فكان وضعه نظاما بوليفونيا (متعدد الأصوات) غربيا للمقامات العربية والشرقية القائمة على ربع صوت. وهذا ما أثار سجالا واسعا على صفحات الجرائد في سبعينات القرن الماضي بين مؤرخين وخبراء موسيقيين. وأيده في طرحه هذا الموسيقار وليد غلميه. وكان الرد الأقسى في هذا السجال للمايسترو عبد الغني شعبان حين قال:” اليد التي تمتد الى ربع الصوت سنكسرها”.

جاهد توفيق سكر لأجل ترسيخ ثقافة موسيقية في المجتمع اللبناني وأسس فرقة موسيقية كان يجوب فيها المناطق اللبنانية من الشمال إلى الجنوب ويقيم الحفلات مجانا لتحقيق نهضة موسيقية. ولشدة شغفه بالتراث الموسيقي اللبناني جمع توفيق سكر مواد الفولكلور اللبناني والألحان السريانية والمارونية ووضعها في أربعة أصوات رغم بنائها الأساسي على ربع صوت.
كتب توفيق سكر الأعمال السمفونية ومنها “سمفونية الأرز”. ومقطوعة بعنوان “من أعماق الجبل ” كما وضع الموسيقى التصويرية لفيلم جورج نصر ” إلى أين”. كما ألف موسيقى للبيانو وأصدرها في أسطوانات ومنها متتالية فولكلورية لبنانية ومقطوعات من التراث الموسيقي اللبناني مثل “محلا العيشة بضيعتنا” و”هالله يا جملو” و”رمانك يا حبيبي”.
ولد توفيق سكر في طرابلس وعاش مع عائلته في بشري. عائلة متواضعة انتبهت لقدراته وموهبته الموسيقية.
وبدأ يتعلم العزف على البيانو منذ طفولته. وفي سن الرابعة عشر انتقل مع عائلته إلى بيروت لتكبير فرصته وليدرس على يد المعلمين الكبار مثل أرنست كامبل وبيرتران روبيار وأكمل دراسته في مدرسة الآباء اليسوعيين.
التحق بالكونسرفاتوار الوطني في فرنسا من عام 1949 حتى عام 1953 وهناك درس على يد الكبار هنري شالان وأوليفيا ميسيان.
عاد إلى لبنان عام 1953 أستاذا في الكونسرفاتوار وإعادة برمجة مواد الصولفيج كما ابتكر مادة نظريات الموسيقى الشرقية لطلاب القسم الغربي. وسعى دائما الى مساعدة تلاميذه لنيل المنح وحضور المؤتمرات.
عام 1954 قدم محاضرته في “الندوة اللبنانية” شارحا نظريته حول النظام البوليفوني وامتد النقاش في هذا الموضوع إلى فرنسا وروما وبغداد والقاهرة وتونس. ثم أعاد محاضرته في المركز الثقافي الفرنسي عام 1999 لأهمية مضمونها بالنسبة الى الموسيقى الشرقية وإغنائها وتطويرها.
عام 1971 أسس توفيق سكر “معهد جبران خليل جبران” في بلدته بشري. وأسس مدرسة الموسيقى في جامعة اللويزة. كما أسس “كورال توفيق سكر”. لقب توفيق سكر بـ ” البارتوك اللبناني” نسبة الى المؤلف الموسيقي الهنغاري بارتوك.
نتذكر توفيق سكر في مئويته هو الذي عاش بصمت وأعطى بصمت وغاب بصمت. ولكن أعماله تحدثت عنه وإضافاته في الموسيقى اللبنانية وسعت مكانته. ولا يجوز أن تبقى صورته في غياهب النسيان. بل إن إعادة الاعتبار إليه واجبة بدءا من جمع أعماله وإصدارها وصولا إلى إصدار طابع بريدي باسمه وإطلاق اسمه على شارع في بيروت. (sharonsteelerealestate.com)
هذا المجدد الموسيقي الكبير له مكانته وسعى صادقا لإغناء تراثنا الموسيقي واضعا كل جهوده وخبراته في خدمة الموسيقى والتراث اللبناني كما يليق بابن بار لهذا التراث.



