رباعيات لويس الحايك… فلسفة شعرية ترتقي إلى تجلّيات العرفان والإشراق
أنطوان يزبك
يقول الشاعر فريدريك نوفاليس:
الشعر هو بطل الفلسفة والفلسفة ترفع الشعر إلى مصاف المبادئ.
أمّا لويس الحايك في رباعياته ورحلة البحث عن المجهول في طبيعة النفس والإدراك، فقد توسّل لغة شعرية ووسائل تعبيرية نادرة استقاها من أبعاد أخرى ورؤى تجاوزية غير مستهلكة، لتكون أسمى من الشعر والفلسفة والمبادئ، طارقا باب عوالم محتجبة عن الإدراك، بل هي مدركات يوقنها متوحدون صوفيون من سلالة الشامانات، في صوامع الصمت والتأمل، والانكباب على المعرفة الباطنية!
لويس الحايك في رباعياته يستلهم سيالات أزلية يوشّيها بعطر لغة سامية، لغة الماضي الأسيل، وهو ليس الماضي المكرر بقدر ما هو دفق معطر ينقل لنا رؤية صافية للوجود من خلال انقشاعات وتجليات خبرها الشاعر فكانت اكسيرا مكثفا يداوي ويستدل به، وها هو لويس الحايك يقول في واحدة من رباعياته :
تطل عليّ أشباح الضياء
ظلالا هامسات في حياء
موشحة بذكرى عابرات
جعلن الدرب تسخر بالنداء
فلم تعطف على زمن جهيض
ولم تأسف على برء وداء
كباريها الذي أعطاها روحا
ولم يأبه لشيطان ورائي..
في هذه الرباعية تكثيف لخواص الوعي والإدراك الحسي واختصار لكل علوم الأرض والسماء، في رباعية واحدة تستطيع أن ترى الكون كما الكاهن البوذي الذي يرى الفردوس معمرا فوق حبة أرز طولها يقاس بالملّمتر…نعم كون شاسع وفي الوقت عينه صغير صغير إلى درجة لا متناهية، يذكرنا لويس الحايك بقول لوليام بلايك: “لو قيّض للإنسان أن يبقي المنافذ إلى إدراكه الحسي نظيفة بشكل جيد، لاستطاع أن يرى مدى نهائية الأشياء”.
أجل في نقاوة الإحساس صفاء الإدراك وفي التخلي ارتفاع وفي التبصر معرفة وفي التأمل فلسفة وفي العرفان إشراق…
وفي رباعية أخرى، يقول لويس الحايك:
نحن في دنيا حللناها حيارى
لست أدري أهي ملك أم اجارا
صنع الله في الكون أرضا
مدح الماء، كسا منه البحار
فاهتدى الجنّ إليها واحتواها
ناثرا من مائها الصافي بذارا
علقا كانت فخصّ الأنس منها
نطقهم كي يكشفوا السرّ جهارا
أجل هو هذا العلق الذي يطوي في تكوينه اللامنظور كل السلالة الجينية بالإضافة الى الروح، ويسألونك ما الروح… حيرة الإنسان بما يراه وفيض المعارف وتهافت الفلاسفة، والمعرفة ها هنا علينا أن نصلها قاب قوسين أو أدنى وما المسافة بوصة أو بوصتين أم الباع أو أي شيئ آخر… والجنّ الناثر البذور يذكرنا بمقولة شبنغلر حين شبه كل هذا الوجود بنثار بذور لعشب في البرية كل ينمو على هواه، وما الأقدار أيضًا سوى استعارة إنجيلية كالبذار الصالح في أرض خصبة وآخر خنقه الشوك، وما أكثر الأشواك في عالم مجنون، لا عقلانية كانط بقادرة على تفسيره ولا شروحات توماوية اكوينية ، بل صفاء شعري مع عطر أمسيات شرقية ممتدة من سمرقند إلى بغداد وصولا إلى بيت شباب حيث نول الحايك لويس لا يني يصنع جببا ليس فيها إلا الله وزوابع الأنوار…



