سجلوا عندكم

ماهية الفلسفة وتطورها

Views: 310

وفيق غريزي

منذ اكثر من 2500 سنة والفلسفة تشكّل موضوع شغف لكل من درسها وتعرف اليها بمن في ذلك عدد من كبار العبقريات البشرية الذين بنوا مجدها وتاريخها. إن الفلسفة تصنع بالكلام، الكلام الدال غالبا على افكار عامة، معلومات، مفاهيم، وهي تصنع باستدلالات ولكنها ترمي الى حقيقة ضرورية أو كلية أكثر من التركيز على واقعة ممكنة أو حقيقة مفردة. بهذا تتميز الفلسفة عن التاريخ والأدب، يقول ارسطو: “أن الشعر اكثر فلسفة، من التاريخ لأنه اكثر عمومية”، وهو لا يقول الحق وانما ما يقبل التصديق، لا ما يجري بل ما يمكن أن يجري، ليس الواقع وانما الممكن أو الضروري. إن الفلسفة من وجهة النظر هذه مثل الشعر المربع، الشعر السفسطائي، كما يقول الفيلسوف مونتاني، لا تدرك الواقع الا بالممكن والضروري ولا تدرك الحسي الا بالمجرد، ولا الخاص الا بالعام، والفلسفة هي ممارسة عقلية وخطابية، وهي ممارسة نظرية كذلك، أي مجردة تماما بالنسبة لموضوعاتها، وعامة إن لم تكن عليه بالنسبة الى نتائجها. هذا اختزال في حقلنا التعريفي، وينبغي أن ينسحب التأكيد على الصحافة ومباحث الشرطة، وكلاهما عقليان، كما نتمنى. إن كتاب المفكر الفرنسي اندريه كونت – سبونفيل تناول هذه المسألة في كتابه “الفلسفة”، الذي يطمح من خلاله الى أن يجعل هذا الشغف بالفلسفة مفهوما من الجميع، إنه يبين ماهية الفلسفة، تطورها عبر العصور، وأهم تياراتها.. باختصار أنه مدخل الى الفلسفة، وبالتالي الى الحكمة التي نحن بأمس الحاجة اليها.

 

تاريخانية الفلسفة 

ان تملك الفلسفة تاريخا، ذلك معطى واقع، يبدو أن الفيلسوف الالماني هيغل دهش منه “الفلسفة تقصد معرفة الخالد الأبدي في حين يحكي التاريخ ما كان في عصر واختفى في آخر”. إن وجود فلسفة التاريخ، حسب اعتقاد سبونفيل، أمر يمكن ادراكه، سيكون حقيقة المصير الأبدي. ولكن تاريخ الفلسفة، إذا لم يكن للحقيقة تاريخ تكون ابدية. كيف يمكن أن تملك الفلسفة تاريخا؟ يقول سبونفيل: “من المؤكد أن اية فلسفة ليست الحقيقة، حتى فلسفة هيغل نفسها التي تشاء تجاوز ما يملك كل منها من حق أبدي هي نظام تتابعها الديالكتيكي”. إن الفلسفة أمر إنساني. 

إن فكرة التطور اساسية في تاريخ العلوم. فهي التي تمنع علما ما، مهما كان، من اعادة امتلاك حقيقة مطلقة، كل نظرية حالية ستتجاوزها نظريات لاحقة، نرى حقيقة اكيدة 

وانها هي التي تضمن في الوقت ذاته ما يوجد مطلقا وغير منعكس في تاريخ العلوم نفسه، ويرى سبونفيل أن اقل ما يمكن قوله إن تاريخ الفلسفة يظهر بوضوح مختلف اذا لم يكن تاريخ الحقيقة، فهو ليس مع ذلك تاريخ المعارف، لأنه لا يوجد معارف فلسفية بحتة. انه بلا تطور، كما انه بلا يقين. أن مختلف الفلاسفة في العصر نفسه لا يعكسون فقط ما هو اساسي بالعادة، ولكن لا يوجد في سلسلة القرون أو الملايين اي تطور كلي مثبت. هل الأرسطوية أسمى من الافلاطونية؟ هل اللبنتزية أسمى من الارسطوية؟ وهل الكانطية أسمى من الليبنتزية؟ هذا ما يعتقده الهيغلي اذا وجد مقتنعا أن تاريخ الفلسفة نفسه يخضع لعقل الهي لدرجة يهوى استعبادنا مع النظام الذي يفكر به ويقفله. وتاريخ الفلسفة ليس تاريخ تقدمه، إنه تاريخ صراعاته وابداعاته. وتاريخ آثار. هذا ما يقربه من تاريخ الفن، من جهة النظر هذه على الاقل، اكثر من تاريخ العلوم. ويقول سبونفيل ” ليس تاريخ الفلسفة اقل معيارية، إنه تاريخ حكمي، يجب عليه، هو ايضا إن شاء أن يكون فلسفيا، أن يميز الخطأ والحقيقة، الراكد والنشيط، الضار والخصب”. إن تاريخ العلوم ينظر الى الماضي، أما تاريخ الفلسفة فينظر نحو الحاضر والمستقبل. ذاك متوتر، وهذا متزامن دائما أو مستقبلي. وقد عبّر عنه جيدا احد كبار مؤرخي الفلسفة عندما قال:

“إن فائدة تاريخ الفلسفة تفوق كثيرا فائدة تاريخ العلوم، لأنه تقع اخطاء اقل ظهورا من الحلول الممكنة، بينما تكون مشكلات العام الماضي محلولة أو مدمرة بغالبيتها، تنتظر مشكلات الفلسفة الماضية الحل دائما. لذا كان كل ما هو من العلم الماضي لا يستخدم في العلم الراهن، ويبدو، عدا استثناءات نادرة، مغلوطا جذريا ونهائيا، بينما الأنظمة الماضية، خلا الاجزاء المتعلقة بالنظريات العلمية الخاطئة، حتى لو كانت ساقطة، لا تكتسي وجه الاخطاء الشكلية، وتبدو قادرة على احتواء عناصر الحل المستعملة ذات يوم”.

 

 الفلسفة القديمة

حسب اعتقاد سبونفيل، فتح القبلسقراطيون الطريق، كانوا ضد الخرافة، ضد الاعتقادات الباطلة، مثل نذر الحرب، وابطال حرية الفكر، لقد ضاعت مؤلفاتهم كلها تقريبا، وتواريخهم تقريبية، بيد أن بعض الاشارات الواردة عن المؤلفين المتأخرين وبعض الاستشهادات، وبعض المقتطفات الجوهرية احيانا، تكفي للشهادة على عظمتهم. يقول سبونفيل: “لنتذكر على الأقل الاسماء الاكثر شهرة: طاليس(575-500) اكسينوفان  (570- 480)فيتاغورس (575- 500) 

اناكسيمندر (610- 545) بارمنيدس (515- 440) هيراقلطس(550- 480) انكساغوراس (500 428) امبادوقليس 490- 435)) زينون الايلي (485-430)، نضيف اليهم ديموقريطس (460-370). إن هولاء الفلاسفة بحثوا عن الكلي في الواقع، الذي فتشوا فيه عن المبدأ الأول أو النهائي: الماء -طاليس، اللانهائي أو اللامحدود – اناكسيمندر، العدد -فيتاغور…

أما ابيقور (341- 270) فهو على العكس عقيدته حسية، وعقلية، الحاسة معيار الحقيقة، ومنبع المعرفة، المباشرة أو غير المباشرة، ولكن العقل وحده، الذي ينبع منها، قادر على معرفة 

 مكونات الطبيعة الخفية وهي الذرات والفراغ. هذه الطبيعة غير متناهية – تضم عددا لا متناهيًا من العوالم المتناهية. وعلم الاخلاق الابيقورية هو فن التمتع الزاهد، المقصود هو التمتع قدر الامكان مع الرغبة. في اقل من الممكن، يقنع الحكيم باللذات الطبيعية والضرورية، الاكل والشرب والنوم.

 

الفلسفة الوسطية والحديثة  

يؤكد سبونفيل أن المسيحية ثم الغزوات البربرية حجبت ذلك النور هناك، النور اليوناني، ولكن دون أن تطفئه، ثم أن البربر أنفسهم انتهوا الى الهدى. إن الحكمة بالنسبة الى المسيحية اقل اهمية من الخلاص، لا يمكن الخلاص إلا بالله، وليس بالذات، انه عمل الوحي أو الرحمة اكثر مما هو عمل العقل والارادة، وعمل القداسة اكثر مما هو عمل الحكمة. لقد ابعد الاستقلال الاغريقي الجميل وتقدم اللاهوت على الفلسفة، والإيمان على العقل، الكتابات المقدسة على التجربة، لكن الفلسفة رغم اعتزالها لم تختف مع ذلك فالقديس اوغسطينوس (359- 430) الذي كان افلاطونيا محدثا قبل أن يصير مسيحيا، يقول سبونفيل عنه: “هو فيلسوف ولاهوتي، كلاهما دون انفصال”. نحن لا نعلم شيئا كثيرا فلسفيا عن القرون الأولى للعصر الوسيط، عالم مدمر يلزم اجيالا عديدة وابطالا مغمورين دون شك لكي تعود الفلسفة مرئية. حتى توما الاكويني (1225- 1274) لم يكن قرأ اليونانية، وجعل ارسطو رغم ذلك معلمه بعد الله. وهذا احد اللقاءات الفكرية الجميلة، إنه عبقرية واسعة مساوية لاوغسطين. مع قليل من التوقّد، والكثير من الحدة وقوة التنظيم والدقة. وعن الفلسفة الحديثة لابد من أن نسأل: متى بدأت الحداثة؟ إن الفلسفة الحديثة كانت قد بدات مع الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، وانها تعالج عادة في النهضة، وفي تواريخنا الفلسفية، على عكس ما يفعلون في تاريخ الفن كعلامة سوف تمدد العصر الوسيط، هذا خطأ خطير المنظور، وحسب سبونفيل “لم تبدأ الفلسفة الحديثة مع ديكارت، لقد بدأت مع مونتاني (1533- 1592) تبعه باكرا جيوردانو برونو(1548- 1600) وفرنسيس بيكون (1561- 1626) “. إنها تبدأ بالشك والطبيعة والتجربة، تبدأ بالأقرب أي الذات مونتاني، والطبيعة برونو، والتجربة بيكون. هي ثورة جديدة مع تقاطع ثورة القدامى. يمدح مونتاني سقراط لاعادته الفلسفة من السماء حيث تضيع وقتها، إلى الانسان حيث يوجد عمله الاكثر صحة وخلافا وفائدة. هذا وقد دفع باسكال بالحداثة ابعد من ذلك. إننا لا نستطيع الوصول خارج الوحي لا الى الحق المطلق ولا الى الخير المطلق. الشكّية والنسبية ستكونان حقنا اذا كنا قادرين. والسبينوزية (نسبة الى سبينوزا) كما يرى سبونفيل، هي ايضا فلسفة الرغبة والمرح، انها الرغبة بالفعل وليس العقل، التي تؤلف ماهية الانسان نفسها(ميل كل موجود أن يتشبث بوجوده)، قدرته على الوجود والعمل. 

اما ليبتز فبعبقريته المساومة على الأقل، لم يشاطر باسكال تشاؤمه، كان يجهله أو لا يعرفه، ولا سبينوزا طبيعته التي تصدمه. من جهته ديفيد هيوم (1711- 1776) فقد عرف كيف يوجد نوعا من الصلة بين ما كان يدعوه، الفلسفة السهلة الواضحة التي تلد الجمهور الكبير، وبين الفلسفة الدقيقة الصعبة التي لا تتوجه إلا الى الاخصائيين أو الحمقى. إن التجريبية الجذرية تنفتح على شكلية معتدلة، كل ما في الفكر البشري ليس سوى انطباعات أو افكار، وهذه ليست سوى الصور الممحوة لتلك، هكذا لا نعرف العالم ابدا كما هو، ولكن فقط التصورات التي نملكها. وبالنسبة الى هيغل فالحيرة فيه مضاعفة، هذا الذي اراد أن يفكر في كل شيء، كيف لا نعطي عنه لمحة؟ فكره جدلي (ديالكتيكي) يعني مؤسس على وحدة الاضداد.

 

فلسفة المعرفة والفن 

يتناول علم الوجود “الموجود”، وتتناول الميتافيزيقا “الكل”. لذا يكونان غير منفصلين ومن دون أن يكونا مندمجين. إن العلوم والتجربة تعلمنا اكثر دائما، هذا ليس صعبا. يعتقد سبونفيل أنه علينا أن نفكر في هذه الواقعة نفسها، أي التعلم أو التعرف، ولا سيما فهم امكانية العلوم، وبماذا تقوم. هذا موضوع فلسفة المعرفة التي يدعوها القدماء العلوم المنطقية أو القانونية، ونسميها نحن احيانا “المنطق” (بما هو علم يعود الى الرياضيات كما يعود الى الفلسفة). نظرية المعرفة أو العلوم، نظامان مختلفان، نظرية المعرفة تتناول المعرفة عامة، اما بحث. العلوم فيتناول واحدا أو اكثر من العلوم، خاصة من اجل محاولة فهمها أو اخذ امثولة فلسفية واضحة اكثر من اجل تخطيط تاريخها الذي لا يعود الى الفلسفة. يرى البعض أن لا يوجد اساس للمعرفة، أو أن هذا الاساس إن كان موجودا (الاحاسيس عند البعض، العقل عند البعض الآخر)، يصبح غير قابل للتحقيق. كل معرفتنا تبدأ مع التجربة، وهذا لا يعني أنها تشتق كلها من التجربة، إن العقلانية مأخوذة بهذا المعنى الضيق تؤكد أن مقدرتنا على المعرفة لا تحوّل الى التجربة ولا تشتق منها جميعا.

 

وبالنسبة الى الفن فقد تعاطى الفلاسفة غالبا مع الفن بعلاقة صعبة، ذلك لأنهم لم يكونوا يرون في العمل الفني سوى تقليد غير كامل، ضرورة لمظهر خادع بنفسه، أو التعبير الكاذب تقريبا لذاتية وهمية ومحدودة. ويتساءل سبونفيل، ماهو الجمال؟ إنه انبثاق الخير (افلاطون وافلوطين) إنه ميزة (عمانويل كانط) إنه اثر الله (القديس اوغسطين) إنه لذة الجسد (ابيقور). وقد رأى هيغل أن التقليد ليس اساسا في الفن، وكتب يقول: “إن التقليد ليس سوى لعبة معقدة بنفسها، نتائجها تبقى دائما ادنى مما تقدمه الطبيعة”. (purchase) إن رسامي الطبيعة يعرفون جيدا، والرسامون التجريديون، اذا كانوا شفافين، لا يجهلونه. إن وظيفة الفن الحقة هي بالأحرى تنبيه الانسان على ما هو انساني، بان يجعل مقبولا من الافهام، حقيقة أن الانسان يأوي في روحه ما يهز صدره ويحرك نفسه. 

إن كتاب اندريه كونت – سبونفيل، يشكل مدخلا عميقا للفلسفة ومذاهبها، وما تحمله من معرفة بالوجود والموجود، والاخلاق والفن معا…

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *