“الشيخ يوسف الأسير الأزهري والنهضوي: حياته وآثاره”… تأريخ مرحلة من التكامُل الديني والأدبي لنفح روح جديدة في اللغة العربية
باسِم فليفل
أنهيت مؤخرًا قراءة كتاب «الشيخ يوسف الأسير الأزهري والنهضوي: حياته وآثاره»، الصادر عن Dar Nelson Publishing House – دار نلسن خلال الشهر الماضي.
الكتاب تأليف الباحثة منى عثمان حجازي، وهو في أصله رسالة ماجستير نوقشت في أواخر ثمانينيات القرن العشرين. لم تكتفِ فيه الباحثة بالاعتماد على المصادر المكتوبة عن الشيخ يوسف، وهي قليلة، بل أجرت مقابلات مع عددٍ من الأشخاص من عائلة الشيخ يوسف وأحفاد طلابه، وأرفقت البحث بوثائق مخطوطة كتبها أحد طلاب الشيخ مؤرخًا له بعضًا من سيرته.
كان الشيخ يوسف الأسير من أعلام الإفتاء والفقه والصحافة واللغة والأدب العربيين في زمانه، ومن رموز ما يُعرف بعصر النهضة العربية، أواخر العصر العثماني. وُلد في صيدا سنة ١٢٣١ من الهجرة = ١٨١٧ للميلاد، وتوفي في بيروت سنة ١٣٠٧ من الهجرة = ١٨٨٩ للميلاد، وتولى مناصب عدة خلال حياته، فكان رئيس كُتّاب محكمة بيروت الشرعية، ومفتي عكّا، ومدعي عام جبل لبنان، ورئيس ديوان التصحيح في نظارة المعارف في إستانبول، وأستاذ اللغة العربية في دار المعلمين الكبرى بالعاصمة العثمانية. كما درّس في عدة مدارس بيروتية، بما فيها مدارس مسيحية، كمدرسة الحكمة للموارنة، والثلاثة أقمار للروم الأرثوذكس، والسورية الإنجيلية للپروتستانت، اعترافًا بتمكنه الكبير من اللغة العربية، وتخرج من تحت يديه ساسة وأدباء وفقهاء كبار.
يعكس الكتاب مرحلةً من تاريخنا الإسلامي، وإن كانت مضطربة سياسيًا وأيديولوجيًا إلى حدٍ معين، لكنها جميلة من ناحية التكامل الحقيقي الذي عاشه العلماء والمفكرون والباحثون، مسلمون ونصارى، على صعيد خدمة اللغة العربية وآدابها ونفخ روحٍ جديدةٍ فيها. ويورد الكتاب أمثلة عديدة لمخاطبات ومراسلات بين الشيخ يوسف وعلماء مسلمين آخرين، وبينه وبين أدباء ومفكرين وشعراء مسيحيين، تتعلق بأمور لغوية، هدفها الحفاظ على سلامة وأصالة لغة الضاد، أو حل معضلة لغوية معينة.
الكتاب ممتع للراغب بتأريخ ومطالعة هذه المرحلة من تاريخنا، مع تحفظ على بعض ما قيل عن عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ولا تلام الباحثة عليه، فإنه كان الرأي الشائع في تلك الفترة.
رحم الله الشيخ يوسف وغفر له.



