“صعوداً عند رغبة الأرض” جديد حسام القاق عن “دار نلسن” في بيروت
صدر عن دار نلسن في بيروت ديوان “صعوداً عند رغبة الأرض” للشاعر حسام القاق، لوحة الغلاف للشاعر حسام القاق. في ما يلي مقتطفات من الديوان
النّورس
وأبى النَّورسُ أن يستعيدَ حُلما
منذ نعومة أرياشه في قلبه نَما
نورسُ عروسُ المدائن والشطآن
رأى كلّ ما بناهُ وعاش له هُدِمَا
تاهَ فوق البحر مُتألّماً يشقى
ولَو أَحبَّ لعاد وكان مُرهفاً مُنعما
أنِف أن يكون رغِداً مُترفاً بينما
يرى عَيش الآخر من حولهِ مُعدما
أخذ يُلقي على نفسه التُّهم جزافاً
جرّمها وأصدر بحقّها حُكماً مُبرما
أنكرَ حُبّه للعيش الهني ونَبذ ملذّاته
ووَضع نفسه موضع الباكي نَدَما
هو نورسٌ أفسد عناق الغَمام بوهجهِ
لقّن الدُّنيا دروسَ العزّة والشّمما
بسَطَ جناحاه للهواء مانحاً ذاته
فاض الفضاء من صدرهِ محبةً وكَرَما
هَجَرَ البحرَ وهو البحر حياته
وعلّم الحياة وهي له مُعلِّما
ويدرك بأنَّ الرحيلَ كالموتِ له
لكنّ الموتَ من العيش بينهم أرحمَ
قُبيل الغروب تَهاوى عشّه وأيّامه
ومن ذا الذي من شرّهم سَلِمَ
ليت البحر كان مدّ فاهه وابتلعهم
لكنْ والله ما أردنا للبحر بهم أن يُظلمَ
ولو صار لهاجَ وتلاطمت أمواجهُ غضباً
ولَجفّت حتّى مياهَهُ من تحتنا.. ربّما.
***
الثور الجَموح
فوراً عنه قالو الثور الجموح
وفي الأفق بدا الخطر يلوح
هو يخدع الورى بطيبة يُبديها
لكن جموحه بداخله أبداً مكبوح
انه أكثر الثيران جمالاً وعنفواناً
وكلّ الحلابات أردنه لهنّ “نَكوح”
كذا أشاعوا.. وفتَّحوا الأعين عليه
وتركو له الباب مكراً مفتوح
ذنبه أراد مستقبلاً ووطناً
وأن لديه أحلاماً كثيرة وطموح..
ليلعب في الغابة كما يشاء
لكن أن يثور الثور غير مسموح
بعزمه وفحولته الكثير أنجز
وأصبح اسمه بقوّةٍ مطروح
بَرَع في كلّ الحقولِ وأصبحتَ
في القمم تَراه وفي السفوح
تمزّقت النفوس منه غيظا
كما يتمزق الدفء في الروح
بَهتَ وهج الحياة وتعثّر الخفق
بُلبل إنزوى وحام غراب ينوح
أسياف الردى ترقص للحي نَدَباً
تُشيح الشمس بوجهها فوق السطوح
ثور في ذروة هيجانه اختفى
ما عاد يُرى يجيء ولا يروح
قلقت الجموع عليه ورؤوه منقذاً
لكنّهم وجدوه وسط الغابة مذبوح.
***
الريحُ الأَسْوَدُ
تصدَّعَ الماءُ بوجهِ الريحِ الأسودِ
انبرَتِ الروحُ متمردةً على الجسدِ
غلوٌ دقّ عنُقَ السيف فذُبِحَ عشقاً
سقا الورد مُفتدياً مشارِبَ الوردِ
سافرَ الرُّمح مُندفعاً في ضفائرِ الليلِ
وما عاد بنجمةٍ ولا عطر ٍولا عَسجدِ
فراغٌ كثعبانِ الوقتِ لَدْغتهُ بنتُ لحظتها
عُمْرٌ مُتَخبّطُ العمرِ منطوٍ على كمدِ
فُجورُ صمتٍ، شَبَقٌ توّاقٌ الى المعاصي
زحامُ الرقاب وتَدَلّي حبائلٌ من مسدِ
يضجُّ الثأرُ أخيلةً خلفَ بُرقع السكينة
يَسري النور ضلالةً في عرقٍ مُتجمّدِ
شرورُ إبليس أَطلقت صوبنا أعِنّتها
تَستدرُّ الأذى لأرضي من أبعدَ البُعدِ
يتشرّبون الغِلَّ والشرَّ بالحليبِ رُضّعاً
لقطعِ منبعها ولا بقيَ من الأثداءِ ثدي
لبنان مُكرم السماء يتألّمُ كيفَ مُتهاوياً؟
ما أتى في كلام الله ولا الحديث المُسندِ
عِزّةُ المرء تكبُر في وطنٍ عالٍ جبينه
ولن يُعَزُّ عنه دماء لو إحتاج لتمرّدِ
نَثور، الأرضُ تثور على كلِّ معتدٍ آثمِ
على ألسنةِ النارِ ذِكرُ البردِ لمْ يَرِدِ
مُستهجنٌ ومُنفرٌ أن ترى في هذه الدنيا
قِططٌ حقيرةٌ تعبث وتنتف شوارب أُسْد
مهما كَثُرَ عديدهم بلحظةٍ يغدونَ صِفراً
كلٌ ولَهُ عِقابهُ ولا ينقصُ ذرةً ولا يَزدِ
إنهمارُ اللاءاتِ انتقامُ عزاء الغفران
وحزنُ عيناكَ يا وطني أَورَى لي كبدي
مكفكِفٌ دمعي أنت مُربِتٌ على كتفي
وإنْ لم يكن شامخاً غَدُكَ، لِمَ غدي؟
أَهنالك أنبلُ من الموتِ لتحيا بعزةٍ
طالما ليسَ هنالكَ للموتِ من بُدِّ.
***
مُضطرّة
الحياةُ غدت قاسيةٌ ومُرّه
فوجدتُ نفسي قالت مُضطّره
أن أُجاريها وأكن مثلها
لتبقى حياتي بالحياة مستمرّه
وهي الجميلة الفاتنة المَرِحة
التي يملئ الروح مرآهها مسرّه
من موقع السُّترة أتت الفضيحة
لأجلها بين الركبة والصُرّه
كل هذا صار كتهيؤات أحلام
ولا حتّى في المنام تُعاوَد الكرَّه
تمرُّ الآن وكأننا لا نعرفها
قاسيةٌ أمست عابسة مُغترّه
وكما لو أنّ قلبها يطفح شراً
كفى الله قلوبنا شرّه
عيناها خاليتا العطفِ والحنان
لم يعد فيهما من الرحمة ذرّه
كم كانت مُحبّةً هي ووفيّة
وكم صارت قليلة وفاء كهرّه
حسرة كم كان طيّباً قلبها
ما أبهاه كان للّهِ ضرّه
من قال يصير ناراً وجفاء
يُحرقنا بالنّوى وجوى حرّه
لكن سبحان ربي خالق البرايا
يضع في أضعف الخلق سرّه
كانت كلما إبتسمت وتمايلت إختلّ
لِحُسنها حُسن سَير الكواكب بالمجرّه
وأسفاه على رائعةٍ حقارة الأيام
بدّلتها بعدما كانت بالسّمو دُرّه
وجعلتني ورغم حبي الكبير لها
أتمنّى لو لم أعرفها مرّه.
***
ثلاثية الغجر
– ريح –
ريح سافرة
في وضح النهار
تداهم البيوت وصدور المارّة
تقتحم الأسرار.
– قطّاع الطرق –
لن أكون أبداً على مُفترق..
اذا كان الطريق إلى عينيكِ يُقتطع
ولو أن النظر إليهما يُسترق
فٓليٓ الفخر أن أقطع
لي الفخر أن أسرق
وها أنا ذا من أجل عينيك
أصبحت من قطّاع الطرق.
– غجريٌّ ما –
غداً عندما أصبح أصغر
عندما أرجعُ إلى الأمام
سأفرُّ آتياً في عربات الغجر
وسيزهر تسامحي إنتقام.



