سجلوا عندكم

“أرض لا تموت” جديد الصحافي الفلسطيني منيب أبو سعادة عن “دار نلسن” في بيروت

Views: 429

صدر عن دار نلسن في بيروت كتاب “أرض لا تموت” للصحافي الفلسطيني  لمنيب أبو سعادة، في ما يلي مقدمة الكتاب بقلم المؤلف:

 

في غزة، حيث تلتقي السماء بالأرض في صراعٍ أبدي، حيث تختلط رائحة التراب المحترق بأصوات الصواريخ المنهمرة، وحيث يصبح ضوء النهار امتدادًا لظلامٍ دامس يلف القلوب قبل أن يلفّ المدينة، تبدأ الحكاية. ليست حكاية خيالية، ولا هي محاولة لخلق دراما من العدم، بل هي شهادةٌ حيّة على زمنٍ أصبح فيه البقاء بحد ذاته معجزة، وعلى حياةٍ صارت مزيجًا متناقضًا بين الموت والنجاة، بين الفقدان والأمل، بين الصراخ والصمت، بين الخراب والتمتك بما تبقى من ذكرياتٍ وأحلام مؤجلة.

أنا منيب ابو سعادة صحفي فلسطيني اقطن في بلدة بني سهيلا شرق خانيونس جنوب قطاع غزة بعد أن تعرّضت منطقتي للقصف العنيف، قررت أنا وعائلتي النزوح من منزلنا في ظلّ الظروف المأساوية التي اجتاحت المنطقة. كانت الأرض تهتزّ من شدّة الانفجارات، والموت يقترب منّا في كل لحظة. مع إعلان إخلاء المنطقة بسبب التصعيد العسكري، كانت خياراتنا محدودة، فغادرنا بحثًا عن مكان آمن، رغم أن الهموم كانت تتراكم فوق كاهلنا. تنقّلنا بين عدة مناطق في جنوب قطاع غزة، حيث بحثنا عن مأوى يحمينا من القصف المستمر، ولكن كنا نعلم أن الحياة في النزوح لا تعني سوى المزيد من المعاناة والضياع.

في غزة، لا شيء يشبه ما يراه العالم في نشرات الأخبار. هنا، لا يوجد خبر عاجل لأن الموت ليس مفاجئًا، ولا توجد صور درامية لأن الدراما نفسها أصبحت واقعًا يوميًا نعيشه دون أن نملك رفاهية الانفعال. في غزة، يتحول الإنسان إلى مجرد رقم في قائمة القتلى أو الجرحى أو المفقودين، وكل منزل يُدمّر هو مجرد إحصائية جديدة في تقرير أممي. لكن خلف كل رقم هناك حياة، هناك قصة، هناك طفل كان يلعب تحت شجرة الرمان في فناء بيته، امرأةٌ كانت تعدّ الطعام لعائلتها، رجلٌ خرج ليجلب الخبز ولم يعد.

حياة بين الموتين

كل يوم في غزة هو صراعٌ من أجل البقاء. لا يشبه الصراع الذي يخوضه البشر في أماكن أخرى، حيث يسعون لتحقيق الأحلام والطموحات، أو يواجهون تحديات العمل والدراسة والعلاقات الاجتماعية. هنا، الصراع هو أن تستيقظ في الصباح وأنت ما زلت على قيد الحياة، أن تجد ماءً صالحًا للشرب، أن تحصل على رغيف خبزٍ واحدٍ لإطعام أطفالك، أن تتمكن من البقاء في مكان آمن – رغم أنك تدرك أنه لا يوجد شيء اسمه الأمان في غزة.

هنا، يتعلّم الأطفال أسماء الطائرات الحربية قبل أن يتعلموا أسماء الطيور، ويحفظون تفاصيل الصواريخ أكثر مما يحفظون تفاصيل القصص التي ترويها أمهاتهم قبل النوم. في غزة، يتحوّل الظلام إلى ملاذٍ آمن، حيث يخشى الناس إشعال ضوءٍ قد يجذب قذيفة، ويتحوّل الليل إلى فخ مميتٍ عندما تبدأ الطائرات بالتحليق، حيث يصبح كل شيء هدفًا محتملاً، حتى تلك الأزقة الضيقة التي لطالما كانت ملجأ للأطفال وهم يركضون خلف الكرة.

في غزة، لا شيء يبقى كما هو. البيوت تتحوّل إلى أنقاض، المدارس تصبح ملاجئ، المستشفيات تغرق في الدماء، والشوارع التي كانت تمتلئ بالحياة تتحوّل إلى ساحاتٍ للموت. ورغم ذلك، تستمر الحياة. يستمر الناس في البحث عن الماء والكهرباء والدواء، في إيجاد طرق للبقاء على قيد الحياة رغم كل شيء، في التمسك بما تبقى من الأمل في عالم لا يريد أن يسمع، لا يريد أن يرى، لا يريد أن يفهم.

أنا الصحفي… وأنا الأب

لم تكن الصحافة بالنسبة لي مجرد مهنة، بل كانت التزاما، مسؤولية، معركة أخرى أخوضها يوميًا. كنت أخرج كل صباحٍ بالكاميرا في يدي، أتنقل بين الأماكن التي أصبحت رمادًا، أوثق اللحظات الأخيرة لمن رحلوا، أحاول أن أكون عينًا للعالم الذي قرر أن يغلق عينيه أمام معاناتنا. كنت أكتب لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة لجعل صوتنا مسموعًا، لكنها في ذات الوقت كانت لعنة، لأن الكلمات مهما كانت قوية، لا يمكنها أن تصف حجم الألم، لا يمكنها أن تعبّر عن مشاعر الطفل الذي فقد أمه، أو الأب الذي يقف عاجزًا أمام جثة ابنه، أو المرأة التي تحاول العثور على بقايا منزلها بين الأنقاض.

لكنني، إلى جانب كوني صحفيًا، كنت أبًا. كنت أحمل على عاتقي همّ حماية سعد (7 سنوات)، سلمى (5 سنوات)، ويزن (4 سنوات). كيف تشرح لأطفالك أن القصف ليس لعبة؟ كيف تمنحهم الأمان في مدينة لم يعد فيها مكان آمن؟ كيف تخبرهم أن الحياة ستصبح أفضل وأنت لا تعلم إن كنت ستعيش حتى الغد؟ كنت أرى الخوف في أعينهم، أسمع أنفاسهم المرتجفة في الليل، أشعر بأيديهم الصغيرة وهي تتشبث بي كلما سمعوا صوت انفجار قريب. كنت أبحث عن كلماتٍ تطمئنهم، لكنني كنت أعلم أنهم، رغم صغر سنهم، يدركون الحقيقة التي لا أستطيع إخفاءها.

غزة… الأرض التي لا تموت

غزة ليست مجرد مكان على الخريطة، ليست مجرد مدينة عانت من الحصار والحروب، وليست مجرد قضيةٍ سياسية تُناقش في المؤتمرات والبيانات الصحفية.

غزة هي قصة صمودٍ لا مثيل له، قصة شعبٍ يرفض أن يُمحى، قصة أرضٍ تأبى أن تموت.

رغم القصف، رغم الجوع، رغم الألم، تستمر الحياة هنا. تجد الأمهات طرقًا لإعداد الطعام بما توفر، يبتكر الأطفال ألعابًا جديدة رغم غياب الألعاب، يحاول الرجال إعادة بناء منازلهم بأيديهم رغم أنهم يدركون أنها قد تُدمَّر مجددًا. في غزة، يستيقظ الناس كل يوم على أصوات الطائرات، لكنهم لا يتوقفون عن الحلم بأن  يأتي يوم لا يسمعون فيه إلا صوت البحر.

هذه ليست مجرد رواية، إنها شهادةٌ على ما نعيشه كل يوم، على ما لا يستطيع العالم رؤيته من وراء الشاشات. إنها محاولة لتوثيق الحقيقة، لأننا نعلم أن التاريخ يُكتب دائمًا بأقلام المنتصرين، ونحن لا نريد أن نُنسى. نريد أن نقول للعالم إننا كنا هنا، وإننا لا زلنا هنا. وإن غزة، رغم كل شيء، ستظل الأرض التي لا تموت.

الفصل الأول

بين الصواريخ والاستهدافات

كانت غزة في تلك الأيام تبدو كأنها تعيش هدنة مؤقتة مع الحياة، كأنها تحاول أن تسترق لحظات من الهدوء وسط دوامة الحروب المستمرة. كنت أعيش في شقة صغيرة في منطقة بني سهيلا، شرق خانيونس، حيث كانت تفاصيل حياتنا تتشكل من أبسط الأشياء: صوت ضحكات أطفالي سعد وسلمى ويزن وهم يركضون بين الغرف، صوت زوجتي وهي تعدّ طعام الغداء، الأحاديث اليومية مع الجيران عن الأسعار، عن الكهرباء، عن أحلام مؤجلة بحياة أفضل.

كنا نعيش بإيقاع هادئ رغم كل شيء. كنت أذهب كل صباح إلى عملي في الصحافة، أتنقل بين الشوارع الضيقة التي تعجّ بالحياة، حيث الباعة يفرشون بضائعهم، والأطفال يركضون في الأزقة، والرجال يجلسون في زوايا المحال يتبادلون الأخبار. كنت أعود في المساء إلى منزلي، حيث تنتظرني زوجتي بابتسامة مطمئنة، وكأنها تحاول أن تخبرني دون كلمات أن الحياة ما زالت بخير. كانت غزة رغم كل القيود تحاول أن تبقى نابضة، تحاول أن تحيا.

لكن، وكما هو الحال دائمًا، لا يستمر السلام طويلًا هنا. بدأ كل شيء بإشارات صغيرة، بالكاد كنا ننتبه لها: طائرات استطلاع تحلق في السماء لساعات طويلة، أخبار عن توتر في مناطق أخرى، تحركات غير عادية على الحدود. ثم بدأت الأصوات تتسلل إلى حياتنا، في البداية كانت بعيدة، وكأنها نداءٌ خافت من مستقبلٍ مجهول، ثم أخذت تقترب شيئًا فشيئًا حتى باتت جزءًا من يومنا.

كانت الطائرات الحربية تحوم في السماء وكأنها تترقب كل حركة. في الليل، كان هديرها يملأ المكان، صوتها يزحف إلى داخل منازلنا، يتسلل إلى أحلام أطفالنا، يبعث القلق في قلوبنا حتى ونحن نحاول أن نتصرف وكأن الأمور طبيعية. لكن لم يعد هناك شيء طبيعي. كنا نعيش بين لحظة وأخرى على حافة المجهول، كأننا نجلس على برميل بارود نعلم أنه سينفجر، لكننا لا نعرف متى.

حين أصبحت الحرب جزءًا من اليوم

مع مرور الأيام، بدأت أولى الغارات الجوية. كانت في البداية بعيدة، نستمع إليها ونحن نشعر أننا في أمان نسبي، لكننا كنا مخطئين. سرعان ما أصبحت الانفجارات أقرب، وأصبح الليل ساحة مفتوحة للموت، حيث تضيء السماء بلون النار قبل أن يعود الظلام كثيفًا من جديد.

كان الأطفال يستيقظون مذعورين على صوت القذائف، وكنت أجلس قربهم محاولًا تهدئتهم، أحكي لهم قصصًا لا معنى لها عن عالم خيالي حيث لا وجود للحروب، حيث يمكنهم النوم دون أن يوقظهم صوت صاروخ يسقط في مكان قريب. كنت أكذب عليهم، وأكذب على نفسي. لم يكن هناك مجال للأحلام في مدينة تحاصرها النيران من كل جانب.

وفي الصباح، كنت أخرج إلى عملي في الصحافة، أحمل معي كاميرتي وأحاول أن أوثق ما يحدث. لم تكن الطرقات كما كانت من قبل. بعض المحال التجارية أغلقت أبوابها، الناس يسيرون بسرعة، النظرات في العيون تحمل قلقًا لا يخفى. كان الجميع يعرف أن الأيام القادمة لن تكون عادية، أن شيئًا كبيرًا يلوح في الأفق، وأن الحرب هذه المرة ستكون أقسى مما اعتدنا عليه.

في أحد الأيام، بينما كنت أسير في شارع رئيسي متجهًا إلى عملي، سمعت صوت انفجار هائل. لم يكن كأي صوت آخر، كان كأن الأرض قد انشقت من تحتنا.

للحظات، لم أسمع شيئًا سوى طنين غريب في أذني، ثم بدأ صراخ الناس يملأ المكان. رأيت الدخان يتصاعد من شارع قريب، والجميع يركض بحثًا عن ملجأ، لكن لم يكن هناك ملجأ. كان القصف يأتي من كل اتجاه، كأن المدينة كلها أصبحت هدفًا.

ركضت مثل الجميع، احتميت بجدار قريب، قلبي ينبض بسرعة وأنا أفكر: هل هذا هو يومي الأخير؟ في غزة، كل يوم يمكن أن يكون اليوم الأخير، لكنك لا تفكر بذلك حتى يصبح الموت على بعد أمتار منك.

عندما عدت إلى المنزل، كان وجه زوجتي شاحبًا، وعيناها تحملان خوفًا لم أرَه من قبل. كانت تحتضن الأطفال، وكأنها تحاول أن تحميهم من شيء لا يمكن الفرار منه. كنت أريد أن أخبرها أن الأمور ستكون بخير، لكنني لم أستطع.

القرار الأصعب: الرحيل

مع استمرار القصف، أصبحت الحياة في بني سهيلا مستحيلة. لم يعد هناك يوم يمر دون سقوط صواريخ في مكان قريب، لم يعد هناك مكان نشعر فيه بالأمان. حتى جدران منزلنا لم تعد توفر الحماية، كانت تهتز مع كل انفجار، والنوافذ كانت تتحطم بسبب ضغط الهواء.

كانت زوجتي تقول لي: “علينا أن نغادر.” كنت أقول لها: “نحن بخير، لن يصل إلينا شيء.”

لكنني كنت أكذب. كنت أقولها لنفسي قبل أن أقولها لها، وكأنني أحاول أن أتمسك بوهم الأمان الذي لم يعد موجودًا. لكن مع كل ليلة تمر، كان القصف يزداد، وكان الأطفال يرتجفون من الخوف، وكنت أدرك أنني لا أستطيع المخاطرة أكثر.

في لحظة ما، بعد ليلة طويلة من الغارات العنيفة، لم يعد هناك مجال للانتظار. كان علينا أن نرحل.

بدأنا في جمع ما يمكن حمله: بعض الملابس، بعض الطعام، الأدوية. لم يكن هناك وقت للتفكير، لم يكن هناك وقت للحزن على ترك المنزل الذي شهد أجمل لحظات حياتنا. كنت أحمل يزن بين ذراعي، بينما كانت سلمى تمسك بيد أمها، وسعد يمشي بجانبي صامتًا، وكأن لسانه قد شُلّ من هول الموقف.

خرجنا من المنزل دون أن ننظر خلفنا. لم نكن نريد أن نحمل في قلوبنا صورة الوداع، كنا نعلم أننا قد لا نعود إليه أبدًا.

في الخارج، كانت الشوارع مليئة بالأشخاص الذين يتخذون القرار ذاته. الجميع يرحل، الجميع يحمل أشياءه على عجل، الجميع يحاول أن يهرب من مصير واحد.

لكننا كنا نعلم أن النزوح هنا لا يعني النجاة، بل مجرد تأجيل اللقاء بالمجهول.

وهكذا بدأت رحلتنا، رحلة لا نعرف أين ستنتهي، ولا كيف سنصل إلى وجهتها الأخيرة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *