سجلوا عندكم

ريتشارد فاغنر:  شاعر الموسيقى ومُلهم الشُّعراء والكتَّاب والمُفكرين الرمزيِّين

Views: 455

وفيق غريزي

لم يشهد العالم موسيقيا خلف ظهوره دويا كالذي خلفه ظهور الموسيقي العبقري الالماني ريتشار فاغنر . انه واحد ممن اثروا الموسيقى العالمية 

بزوغ فجر جديد:     

ولد فاغنر عام 1813. ولم يكد يبلغ شهره السادس حتى كان والده فريدريك قدفارق الحياة ، اثر إصابته بالتيفوس تاركا زوجة وسبعة أولاد أصغرهم ريتشارد . وتلفت الصديق لودفيغ غاير إلى ابناء صديقه الفقير بعد وفاته ، والى امهم الحزينة وقرر ان يربط مصيره بمصيرهم ، ولم تمض سوى اشهر ثمانية حتى اصبح زوجها وأبا لاولادها .

ولم يكد يشب ريتشارد عن الطوق حتى التصق بغاير زوج امه ، يرافقه اينما ذهب ويناديه ” أبتاه ” . لم يكن ريتشارد قد اظهر موهبة تميزه عن زملائه ، ولم تجذبه خشبة المسرح . غير انه أبدى ولعا بالحيوانات منذ الصغر ، كان يحب العبث بالبيانو ، الأمر الذي حدا بغاير على ان يتنباً له بمستقبل باهر في الموسيقى .

وما لبث ان فقد ريتشارد والده الثاني غاير وهو في الثامنةمن عمره، عايش فاغنر في كواليس المسرح عالما خياليا  ساحرا ، اجتذبته مناظر الديكور ، وفخامة ملابس الممثلين .فادرك تاثير الحركة على المسرح ، وقيمة الكلمة الشعرية . فانزوى في بيته ليخلق مسرحا كاملا من الكرتون وحرك الدمى ويجري على ألسنتها الحوار ، وفي الثالثة عشرة من عمره عاش تجربة حب عابرة مع أميليا هوفمان دفعته إلى ان يحاول ” كتابة للمسرح ،وفي الخامسة عشرة ، عرف موسيقى  بيتهوفن  ، وازداد تردده على صالة الموسيقى ( غيفاند هاوس ) منصتا إلى اوركسترا المدينة . وكشفت له موسيقى بيتهوفن عن قوة تعبير الموسيقى ، فدخل مدرسة نيكولاي الموسيقية في ليبزيغ ، لكنه ما لبث ان شعر ان بقاءه في هذه المدرسة مضيعة للوقت ، غير ان الحظ ساق اليه احد أساتذة الموسيقى هو” تيودور فيلنيج ليدرك موهبته فأغراه بالتردد على مدرسة التومانا ، وعني به عناية خاصة ولقنه المعلومات النظرية الضرورية التي يستطيع بها ان يشق طريقه الفني ، انطلق ريتشارد فاغنر بعد ذلك وراء دراساته الموسيقية بعيدا عن فصول المدرسة فدرس العزف على إلات موسيقية عدة.

 

 

 فاغنر وعلاقاته النسائية:    

اظهر فاغنر منذ طفولته ميلا الى النساء  ، فبعد  ان هام باميليا هوفمان اعجب بالممثلة فلهلمينا شرويدردي فربانت، فأسرع يكتب لها خطابا يعلن لها فيه انهاملاًت  حياته بهجة وترك لها الخطاب في صندوقها ، ثم اصبحت ليادافيدي امل حياته . واخذ اسم حبيبة فاغنر يتغير حتى عرف في السابعة عشرة من عمره ” جيني ” ابنة الكونت باتيشتا . ان ابتسامة امراة تحرك مواهبه كما تحرك احاسيسه , ولهذا كان في حاجة إلى ان يعشق حتى يبدع . ومن هذا المنطلق  ، عشق فاغنر  عشرات النساء ، وتزوج ” مينا “التي طلقها ليواصل حياته العشقية الى ان خان صديقا ، من اعز الأصدقاء وأحبهم اليه هو هانزفون بيلومع زوجتهً ( كوزيما ) ابنة صديق آخر هو الموسيقي فرانز ليست ، وما لبث ان تزوج منها.

 

شهرته كموسيقي :

اشتهر فاغنر في الفترة الاولى من شبابه بانه يقود اوركسترا بارع ، لكن احدا لم يعر مولفاته الموسيقية اهتماما ، على حين انه كان يوًمن بعبقريّته الموسيقية ، فانتقل إلى باريس مارا بلندن . رحب مدير مسرح باريس به ، ولكن هذه المدينة لم تفتح له ذراعيها ، ولم يستقبله فيها إلا البوًس والوحدة.ماسي باريس صقلت هذا العبقري وزادته صلابة . غادر العاصمة الفرنسية عام 1842 قاصدا درسدن  بعد خمسة اعوام قضاها في فرنسا حيث مضى يتاهب لإخراج اوبرا ( رينزي ) على المسرح الملكي ، وقد لاقى عمله النجاح الكبير ، كم استقبلت درسدن اوبرا ( الهولندي الطاير ) بحماسة كبيرة ، ثم قدم فاغنر اوبرا ثالثة ( تانهوزر ) في 19 تشرين الاول 1845 .

وحدث ان توفي قايد اوركسترا البلاط الملكي والمدير الموسيقي للمسرح الملكي ، فاصبح فاغنر المرشح الوحيد لهذين المنصبين . لكنه اعترض مفضلا حريته رغم اضطراب وضعه الاقتصادي ، وفي الاخير ، قبل قيادة الأوركسترا الملكيةوامضى سبعة أعوام يقود هذه الأوركسترا الملكية، ومنذ ذلك الحين بدأ نجم فاغنر يسطع في سماء أوروبا .

كان فاغنر طاقة لا تعرف التعب ، ولا حدود لثقته بنفسه . طاف العالم وأثقل نفسه بالديون ناشرا موسيقاه ، لافتا الأنظار إلى رسالته التي لم يتخل يوما عن حملها ، وقد ادخل هذا العبقري تغييرات جوهرية في اسس الدراما، وتغيرات جذرية في تشكيل الموسيقى المسرحية ، واستحدث طريقتين ارتبطتا باسمه حتى اليوم ، طريقة ( اللحن الدال ) و ( اللحن المستمر ) ، ونقل الموسيقى السيمفونية الى الأوبرا التي طورها وأخرج منها نموذجا جديدا هو دراماه الموسيقية .

 

  تاًثير موسيقى فاغنر في أعلام عصره

ولم تلبث موسيقى فاغنر ان استقطبت العشاق ، واصبحت مدرسة فنية مهمة ، وتسلطت عبقرية صاحبها على الحياة الفكرية والفنية في انحاء أوروبا ، ونظر الكثيرون إلى إلى فنه على انه فن المستقبل ، والى نظريته عن وحدة الفن على انها القانون المطلق للفن ، واصبح فن فاغنر نموذجا يحتذى. حفلت أعمال فاغنر الموسيقية بسحر لا يقاوم ، فمن موسيقة رفيعة تقوم على اشتقاق الالحان احدها من الاخر إلى بناء التفاعلات الموسيقيةثم اشتراك الأوركسترا مع الغناء وقيامه وحده بدور اساسي في التصوير الموسيقي الجميل ، بالإضافة إلى ارتكاز هذه الاعمال على الأساطير التي تمثل اروع تراث الفكر الإنساني ، والتي حملها فاغنرمعاني معاصرة، فلم يعد المشاهد يرى فيها ماضيه وحده بل حاضرة،  تدفعهم إلى  متعة الخيال والعقل معا . ورغم ذلك فقد جابه فن فاغنر معارضة عنيدة من اعداء قساة لم ينتقدوا موسيقاه ونظرياته في الفن فحسب ، بل تناولوا حياته الشخصية بالتجريح.وما اكثر ما امتلات حياته من مآخذ .

” كان فاغنر شخصية مغامرةعنيدة ، تمور  نفسه بالزهو و  الغرور والثقة المفرطة،امن بان عبقريته تفرض على الاخرين ان يحيطوه بالرعاية البالغة حتى يفرغ بكل جهده إلى إبداعه الادبي والفني  الذي اعتقد انه ضرورة لا غنى عنها للبشر تذكي فيهم عشق الحرية وتدفعهم إلى الارتقاء “. ما اشبه ما ابتدعه فاغنر في عالم الدراما والموسيقى من ثورة ما اثاره هيغل في علم الفلسفة . ومن اجل ذلك بات فاغنر من المعالم البارزة في تاريخ الفن. وظلت موسيقاه ينبوع متعة ترتوي منه القلوب العطشى ، وترتفع في ظلاله الأرواح لتلحق في عالم أسطوري تخطى حدود الزمان  والمكان . واثرت موسيقة فاغنر في إعلام عصره .

 

علاقة فاغنر بالفيلسوف نيتشه:

عندما كان نيتشه ( 1844-1900) في ليبزيغ تم التعارف بينه وبين ريتشارد فاغنر ، في خريف 1868 ، وفي منزل السيدة بروكهاوس .قضى فاغنر  سهرة بصحبة نيتشه، وقد اهتم فاغنر بهذا الفيلسوف الشاب المعجب به ، وفي نهاية السهرة صافحه بحرارة معبرا عن امله في ان يلتقيا في موعد آخر .

ولقاوًهما الثاني تم بسرعة . كان فاغنر في ذلك الزمن يسكن في تريبشن ، قرب لوسرن ، على مسافة قريبة من بال ، فأسرع نيتشه لمقابلته، فرحب به الموسيقي ترحيبا حارا ، وكذلك فعلت كوزيما زوجة فاغنر ، وكانت كوزيما تصغر فاغنر بما يقارب الثلاثين سنة . لم تكن جميلة وفقا للمقاييس التقليدية للجمال ، لكنها  كانت ذات شخصية قوية وذهن وطبع خاصين . استهواها ذلك الضيف القادم  من بال بسبب ذكائه الحاد وشدة تقديره لموسيقى فاغنر . اما فاغنر نفسه فقد وجد في اهتمام  نيتشهبشوبنهاور واليونان القديمة رابطااخر من الروابط التي شدته اليه .

ازدادت رحلات نيتشه إلى تريبشن ، فصار يقضي معظم عطلاته نهاية الاسبوع مع فاغنر وكوزيما . ولم يكن خلوا من اي فايدة له فكتب عام 1896 إلى صديقه اروين رود عن فاغنر : ” حياة مثمرة غنية ومصحوبة بالتشنج ، تتميز ببعدها عن التقليدي وبانحرافها عن المقاييس الخلقية العارية . إلا ان ذلك هو  السبب الذي يجعله يقف هناك ثابتا في تأصل جذوره في قوته الذاتية ، وعيناه دوما في جولان بعيدا عن كل ما هو فان، وابعد من زمنه على افضل صورة وشكل .

نيتشه

 

 توتر العلاقة بين فاغنر  ونيتشه  وانفصالهما:

 اكتشف نيتشه في مسرحيات فاغنر الموسيقية سحرا معاصرا للماسي اليونانية كتلك التي وضعها ( أسخيلوس -وسوفوكليس).وحين صدر كتابه ” ولادة المأساة ” عام 1871″ كان موقف فاغنروكوزيما كما هو منتظر ، مأخوذين بالكتاب ” لم اقراً كتابا اجمل من كتابك ” ، كتب فاغنر الى نيتشه” كل ما فيه عظيم ، ولقد قلت إلى كوزيما : احبه اكثر من اي انسان خر ، بعدك “.

ولقد اعتبر نيتشهفي ذلك الوقت أعمال فاغنر الموسيقية مثيلا جرمانيا للمأساة اليونانية القديمة قبل يوروبيدس. وراى في فاغنر لا رجلا اكبرمن الحياة فقط  ، بل عبقريا قادرا على التعبيرعن الأساطير الالمانيةعبر أنواع مختلفة من الموسيقى الدونيسية. اما فاغنرنفسه فقد سر سرورا شديدا بهذا الرأي ، خاصة انه في تلك الفترةعينها ، كان فاغنرقد  ترك تريبشن. وكانت بايرويت في بافاريا ، حيث كان مكبا على انشا ء مسرح خاص به، قصد ان يكون أقرب الى معبد يخصص لتقديم نتاجه فقط ،وهي خطة نجح في تحقيقها بسرعةفي 22ايار 1872 ,وضع فاغنر الحجر الاول في بناءالمسرح . ولكن في بايرويت لم يعد فاغنر في نظر نيتشهالموسيقي الشهير الذي عرفة في تريبشن ، بل اصبح متنبها لعظمته وتحول الوالى متعال ضيق الصدر تملوًه الغيرة .

في تموز 1875 كانت التمارين والاستعدادات تجري على رباعية فاغنر ( ذهب الراين ، منتقي الذبايح ، سيغفريد ، ونهاية الالهة). في بايرويت ، وقد تلقى نيتشهدعوته لكنه لم يجب بالقبول ، لان امله خاب في فاغنر . والعلاقة بين الاثنين صارت الان تختلف اختلافا كليا عن السابق ، اذ قرر نيتشهان يقطع علاقته بفاغنر ، واصدر كتابا تقريظيا ، ينتقد فيه تحول فاغنر تحت عنوان ( ضد فاغنر ) وذلك عام 1880 ، اذ تحرر نيتشهمن اسر شوبنهاور وفاغنر . ويرى البعض ان سبب خلافهما يعود الى كوزيما التي لم تبادل نيتشهحبه لها ، فانقلب منتقما من زوجها. انما الأمر الذي لا شك فيه هو ان نيتشهراى في رباعية الخاتم صورةهزيلة لما كان يتوقع ان يشاهده ، وراى ان فاغنر لم ينفذ في عمله ما دعا اليه في كتاباته النظرية ،وخلف فاغر وراءه محزونا ومضى .

 

فاغنر بين الشعر والموسيقى:

ان موسيقى فاغنر ولدت في نفوس الرمزيين من الشعراء نزعتهم الى النفور من الظواهر المادية باعتبارها خيالا يفنى ويتبدل بحسب ما تراه النفس ، وولد نزعتهم في سبر الأغوار ، حيث ان كل الانفعالات ذابت في موسيقى فاغنر وتوحدت بمفهومه للفن عامة ، ذلك ان فن فاغنر فن مريض . فنزعته الهستيرية العصبية وتشنجه الطبيعي ، وحسه المضطرب ، وذوقه الحاد ، وعدم استقراره ، وابطال رواياته تكون جميعا صورة واضحة لنفسه المضطربة ، واعتبرت نفس فاغنر مثال النفس الحديثة المعاصرةلتلك الفترة الادبية ، بكل معانيها لما في جهازه العصبي من احتدام وانقباض . ولما في فنه من قسوة وعمق ، وبراءة وطهر ، وتبين لبعض النقاد العلاقات التي تصل بين فاغنر والشاعر الفرنسي شارل بودلير ( 1821 -1867 )شارحا رسالة بودلير الادبية كانت ايضا تبشر بما بشرت به الموسيقى الفاغنرية . واكد بوازا ، احد طلبة الشاعر ستيفان مالارميه ( 1842 -1867)ان الأوبرا الفاغنرية – بفرط اختلافنا اليها – ولدة فكرة التنظيم الموسيقي الادبي في الشعر .

فانهم اي الشعراء الرمزيين كانوا يتساءلون عن وسيلة تمكنهم من إرفاق النص الشعري بازدواج موسيقي بحت ، وذلك بواسطة موكب من الألفاظ المتوازية المختارة بما فيها من إيقاع وغنى يبعث الاحلام . ومن هنا نعي كيف استقى بودلير من فاغنر معنى الانطلاق والمثاليةواللانهاية والانسجام الموسيقي بدون ان يقف عند الحالة المرضية التي اشار اليها البعض ، ثم ان هوًلاء الرمزيين فهموا موسيقى فاغنر من خلال النقد الذي حاوله بودلير.

لقد شاعت موسيقى فاغنر وهي تعبر عن اعمق الاسرار الانسانية، وكان في جلال أنغامه يفوق الانسان ؛ بالإرادة ، والشوق ، وضبط الذات . وقد قال بودلير ، وكانما قد عرف في فاغنر سيد العناصر الأدائية كما كان يبتغيها . وقد كتب فاغنر رسالة الى بودلير العام 1851 يذكر فيها الغبطة القصوى التي شعر بها لدى اطلاعه على كلام الشاعر الفرنسي بودلير عنه ، وكما كان يخرج فاغنر من الافرادي إلى العام الابدي ، ويغمر المستمع ببحر من الضياء ، فاتحا امامه ذاته الباطنية التي لا تبلغ ، كذا اعتزم بودلير وغيره من الرمزيين الذين اتوا بعده ، ان يجعلوا من الشعر الة تستحق الشعور الانساني ، وفي وسعها ان تبلغ المطلق بواسطة الايحاء والعلاقات التي  لا تعرف النهاية.

 

من نتاج فاغنر الشعري:

 الملاك

” في ايام صباي

سمعت حكايا

عن ملك يهجر متعه

يهبط من عليائه في السماء

ليشارك في ماساة الناس

يحتضن القلب المثقل بالالام

يصعد به

ساعة يستمع اليه يئن

يتالم في صمت الوحدة

يتمزق قلقا

يسفح دما كالسيل

ينشد في الموت خلاصه

وانا ايضا عانيت

حتى جاء ملاك بجناحين براقين

يحمل نفسي

ينزعني من ارض الالام

منطلق نحوسماء عليا “

…..

عن البراعة

 ” انما منبت السرور التي تصيب الالمان

فقد كانت هي الزاويةالتي نظر من خلالها الالمان ، إلى الموسيقى في عصر باخ

الذي كانت القوالب الموسيقية فيه محدودة

ومؤلفو الموسيقى بارعين حقا

اما الان فقد اصبحت القوالب الموسيقية

اشد تنوعا ، كم اضحى المؤلفون اقل براعة

رغم ادعاءاتهم البراعة

كذلك الجمهور نفسه بات يتظاهر بانه اوسع ادراكا

متظاهرابازدراء ما هو بسيط

يعتريه الخجل من الاعتراف بانه

انما يطرب للاوبراالفرنسية

ويستمتع بها “

……………….

 

خريف العمر:

 زحفت الشيخوخة على فاغنر ، وحلم بالاسترخاءفي ايطاليا ، فاستاجر له طبيب صديق في نابولي منزلا صغيرا بديعا ليقضي فيه شتاء العام  1880 ، وكان فاغنر يعشق شعب جنوبي إيطاليا ، وفي هذه المدينة احتفل بعيد ميلاده الستين احتفالا جميلا ، وعند بداية الصيف عاد إلى بايرويت . وفي عام 1882 انتهى من موسيقى ( بارتسيفال ) رغم أزمات الربو التي باتت تثقله ، ولكن الشيخوخة لا تثنيه عن ان يبذل طاقات جبارة في اخراج أوبراه الأخيرة ( بارتسيفال ) بينما يرن في أذنيه دون نجاح ” رباعية الخاتم ” السابق ذكرها ، ولقد احدث عرض هذه الأوبرا دويا شبيها بدوي السنة الاولى للمهرجان ، وتقاطر عليها أمراء روسيا وانكلترا والنمسا ، وقاد فاغنر الأوركسترا بنفسه  ، بعد ذلك انتقل إلى البندقية ، وفي 13 شباط 1883 شعر باختناق انفاسه فأسرعت اليه زوجته كوزيما فألقى  براسه في احضانهاوفارق الحياة .

تجمع شعراء إيطاليا وحملو نعش الموسيقي الخالد اصرارا منهم على نيل شرف وداعه حتى الغندول الجنائزي الذي ابتعد عن درج قصر فندرامين حيث كان يسكن الموسيقي الراحل ، وعاد جثمان فاغنر يشق شوارع بايرويت على انغام اللحن الجنائزي في غروب الالهة. ومنذ ذلك اليوم الذي  غاب فيه فاغنر في اعماق الثرى  وهويعرف نوعا آخر من الحياة ، هي الحياةالتي يخلدها العمل ……

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *