أصالة الرّوح وتآخي الجذور: آل أبو علوان حكاية لا تنتهي
إعداد عبير حسيب عربيد
الأشجار الّتي تنبت في تربة واحدة تتشابك جذورها وتتّحد هويّتها، فما بالك إن كانت أشجار أرز في تربة خصبة ومتأصّلة؟!
قصدت بيت الأستاذ المحامي رجا أبو علوان مع ابن أخته المهندس الأستاذ مازن عابد، ليخبرني عنه وعن اخته المرحومة الدّكتورة نازك أبو علوان عابد وإذ به يأخذني إلى عالم من الفكر والشّموخ والعنفوان، سأحاول في هذه السّطور تسليط الضّوء على أهم المحطّات في حياة هذه العائلة الّتي تحتوي على تاريخ من العنفوان والقوّة والكبرياء.
نشأ الأخوان رجا أبو علوان وأخته المرحومة د. نازك أبو علوان عابد، وكبرا بجذورهما الممتدّة عمقا وقامتهما المتسامية كبرياءً، وبقيا مثالا للفكر، للثّقافة، وللرّسالة الإنسانيّة السّامية.

تربّيا في بيتٍ متأصّلٍ في القيم، يتغذّى من جذور عائلة ذات امتداد تاريخيّ موثّق منذ القرن السّابع عشر. فبيتهما لم يكن مجرّد بيت عاديّ، بل كان منارة تُشعّ بالعلم، والكرم، والنّخوة. تأثّرا بسيرة جدّتهما شمس العماد الملقّبة بشمس الباروك آنذاك، وهي أخت القائد خطّار بك العماد، الّذي لُقّب بسيف الدّروز، والّتي حمت المسيحيّين في أوقات الفتن، وفتحت الميادين عام 1860 لنصب الخيام، فلم يصب أحد بأذى من قرى الباروك وكفرنبرخ وأغميد وعين زحلتا، لتبقى كرامة الإنسان مصانة فوق أيّ انتماء.
في المجاعة، فُتح بيت آل أبو علوان كما دير المخلّص لإطعام المحتاجين، فكانا المكانين الوحيدين اللّذين يُمكن اللجوء إليهما.
مارس الجد سعيد، أحد أعضاء مجلس إدارة جبل لبنان، أي بمثابة وزيرفيها، العمل السّياسي بحكمة، حتى آخر لحظات حياته، حين حرّر المعتقلين الّذين اعتقلوا ظلما إثر جريمة في الباروك، من جور الفرنسيّين، فسلّم الرّوح مبتسما راضيا.

امتدّ هذا العطاء إلى الدّكتورة نازك، التي تربّت على يد أب ثوريّ موّل ثورة 1958، وباع أملاكه ورهنها في سبيل القضيّة، لتشهد ابنته نازك تلك المرحلة وتعيشها عن كثب، فتغرف من مبادئها قيماً تنير مسيرتها، والّتي زادتها متانة وتنويرا دمعة المعلّم كمال جنبلاط الّتي ذرفها في مأتم عارف أبو علوان على يد نازك لتتشرّب مسامها أفكاره وقيمه. لم تلتفت إلى زينة الحياة فلم تكن تعني لها مباهج الحياة ومادّيّاتها، بل كرّست وقتها للعلم، والكتابة، والخدمة العامّة.
في معركة الباروك، اعتقل الدّرك بعض المجاهدين وكان والدها من بين المعتقلين، فألقت خطابا ينمّ عن شخصيّة قياديّة ومبادئ لا يمكن التّفاوض عليها، فقال الظابط أزيحوا هذه الفتاة كي لا نقتل بعضنا.

رفضت التّقاليد الطّبقية، فتزوّجت خارج الإقطاع كرمز للتمرّد على العادات الاجتماعيّة السّائدة، وألقت خطابًا جريئًا عن الدّيمقراطيّة والمساواة، متحدّيةً كلّ تهديدات البيئة المحافظة، فتزوّجت الأستاذ فوزي عابد الّذي كان مقرّبا من كمال جنبلاط وجاره ومستشاره، وقد يكون هذا الواقع من الأسباب الّتي دفعتها للقبول بالزّواج منه.
شجّعت د. نازك الآخرين على الكتابة، دعمتهم مادّيًّا ومعنويًّا، وكانت هي نفسها شخصية مرجعيّة في الفكر والسّياسة والقضايا الاجتماعيّة والرّوحانيات.
ربطتها علاقة استثنائية بشقيقها الأستاذ رجا، الذي لم يكن أقل شغفًا بالكرامة والعطاء. فهو منذ صغره، كان يوزّع مصروفه على أصدقائه الفقراء، ويطعم السّكريات للنمل.

وقف بوجه إخوته وهو قاصر حين حاولوا بيع أملاك العائلة لسداد ديونهم، مهدّدا ومانعًا الكاتب العدل، ليُحرم من المدرسة والمصروف. لكنّه ثابر واجتهد، واستعاد ما ضاع، وأعاد بناء البيت ورممه على أفضل شكل.
كان والدهما أوّل من أدخل زراعة التّفّاح الّتي استحضرها من إيطاليا إلى الباروك ليغرسها مكان أشجار التّوت حيث كانوا يعتمدون عليها لتغذية دود القزّ، رغم معارضة العمّال، فواجههم باللّطف والمحبّة، وأهدى أحدهم ليرة ذهبية اعترافًا بوفائه، مؤكّدا بأنّه لم يكن ليواجهه لولا حرصه على الأرض ومصلحتهم.

أمّا عمّتهم “غضيّة” فكانت امرأة قويّة وعفيفة، تعيش من خيرات الأرض وتوزّع راتبها على الفقراء. تأثّرت نازك بمسيرتها وكتبت عنها.
لم تكن تشبه أحدا حتّى أختها “عفّت” خرّيجة الجامعة الأميركية، ومؤسّسة مستشفى الملك عبد العزيز في السّعودية، الّتي كانت تدعوها للاهتمام بمظهرها وبنفسها، لكن نازك لم تتخلَّ يوما عن مبادئها وقيمها.
أعمال العائلة ومآثرها لا تُعدّ، فلقد حدث موقف يعكس وعي القيادة ونُبل الشّراكة.

في فترة زمنيّة لمسألة سياسيّة واجتماعيّة حسّاسة، كان عارف بك بو علوان كعادة الزّعماء منشغلا بها والمنافس له أحد كبار ووجهاء المنطقة، أتى أحدهم ليجامل ويشيد بعارف بك ويسيء بالكلام عن ذلك الوجيه، فأسكته بقوله بأنّه يعتبر منافسه أخا له ولا يقبل بكلمة تسيء له.
في منتصف تلك اللّيلة، طُرق باب بيت عارف بك الّذي كان مستغرقا في نومه، فإذا بمنافسه عند الباب يطلب مقابلته، ودخل لإيقاظه بنفسه ليقول له بأنّه ليس ندّا له وأن يطرد أحد خدمه ويعيّنه في مكانه، ليظهر مقدار احترامه ومكانته عنده.
سهرا معا في هذه اللّيلة حتّى بزوغ الفجر واتّفقا على حلّ المسألة الشّائكة معا، لتبقى بلدة الباروك متّحدة وشامخة.

يخبر الأستاذ رجا عن أهم المحطّات في حياتهما، بالحديث عن المهرجان الّذي نُظّم في الباروك تكريمًا للمرحومة د. نازك، في العام 2010 بحضور وزير التّربية، نوّاب المنطقة والمحافظين الّذين استضافوهم على مأدبة غداء، قبل بدء المهرجان الّذي وضع فيه 1000 كرسي، فتفاجؤوا بأنّ الحضور كان أكثر من ضعف عدد الكراسي، فقد أتت وفودٌ من كلّ المناطق اللّبنانية وقد وثّق هذا المهرجان بصور ما زالت موجودة في ديوانيّة البيت في الباروك، وقد خصّص الأستاذ رجا مكانا لها هناك مع بعض الوثائق التّاريخيّة، ومراجع خاصّة بالباروك، وصور للدّكتورة نازك خلال نشاطات للحزب التّقدّمي الاشتراكي.
ويتابع وكأنّ الماضي ارتسم أمام عينيه: “لا أعلم لماذا أرادت الذّهاب إلى المدرسة، تلك المدرسة الّتي أسّستها ومنها تمكّنت من مساعدة الكثير من أهالي المنطقة. (في إشارة إلى حادث وقوع د.نازك في المدرسة في السّابع من كانون الأوّل عام 2021، ممّا أدّى إلى كسر في العظم، فساءت حالتها الصّحيّة حينذاك إلى أن وافتها المنيّة في 24 آذار 2022
مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيّته بــأرض فلا يموت في أرض سواها.

كانت العلاقة بين الأستاذ رجا والدكتورة نازك علاقة نادرة في عمقها وتكاملها، وقد خصّص لها غرفة في البيت كتبت فيها مؤلفاتها، وكانت رفيقته في جلسات التأمّل، متأثرة بالفكر الهندوسي والـ”فيدا”، حاملة ثقافة كونية، ترى الجمال في كل روح، وتفيض إنسانية.
حملت نازك روحًا شفّافة، فأثّرت فيمن حولها قبل وبعد وفاتها. ففي 22 آذار 2022، أي قبل يومين من انتقالها إلى العالم الآخر، وبعد تحسّن صحّتها، قالت لابنها مازن:” الله أعلم قرّبت، وصيتي ما تكلفوا النّاس، ما بدّي مأتم كبير، وما بدّي ينقال إلّا الرّاضية المرضيّة.”
ثلاث رؤى لأشخاص من مناطق مختلفة حلموا بها ليلة وفاتها، وآخر قادته الصدفة رغم أزمة الوقود لحضور جنازتها بعد أن فتحت له سيارة إسعاف طريقًا إلى محطّة البنزين.

هالة من النّور كانت تحيط بها، بحسب كلّ من عرفها. وقد وصفها شقيقها رجا بأنّها “الزّهرة الّتي لا تنادي النّاس لتشمّ رائحتها، بل تنثر عبيرها في الأجواء”.
إنّ سيرة ومسيرة آل أبو علوان ليست مجرّد سرد تاريخي، بل شهادة حيّة على أنّ الكرامة تمتدّ جيلا بعد جيل، تُغذّى بالقيم، وتُثمر فكراً وضميراً وذاكرة لا تُنسى، تبقى حيّة مهما مرّعليها الزّمن.



