سجلوا عندكم

إلى زياد… من طفلةٍ حملتكَ كابتسامة في ظل الشوك

Views: 557

خلود الدمشقي

زياد الرحباني مات.

قالوا هذا البارحة.

أما أنا، فلم أقدر أن أنعيه أمس.

الأم لا تبكي في يوم الدفن.

هي تصمت، تتجلّد، تنظر إلى العدم،

ثم، بعد يومٍ أو يومين،

تغلق باب غرفته، وتنهار.

 

وأنا اليوم، أنعيك يا زياد.

لا كالجمهور، لا كالنقّاد، ولا كالفنانين.

بل كأمٍّ، أو كطفلةٍ، أو ككائنٍ تشرّبك في لحظاته المظلمة،

وعاش بك، وفهم عبرك ما لا يقال.

 

لم تكن صديقي، بل كنت شيئًا آخر.

كنت في مكانٍ في داخلي لا يدخل إليه أحد.

ربما كنتَ ظلّي، أو مفكّرتي السرية،

أو ذاك الصوت الداخلي الذي كان يملك شجاعة أن يسخر من النار،

ويضحك على ما يكسرنا،

وأنا… كنت أبكي.

 

كنتُ أفرض على أمي أن تشتري لي كاسيتاتك،

وأضعها في ذلك المسجّل القديم،

ترافقني، رغم دموعي،

وأضحك معك — نعم، كنتُ أضحك وسط البكاء،

وكأنك تمسك بيدي من بعيد وتقول لي:

“مش لوحدِك”.

 

كنتُ أسمعك في “بالنسبة لبكرا شو”،

في “فيلم أميركي طويل”،

وفي “شي فاشل”،

لا لأضحك فقط، بل لأتعرّى أمام فقري ووجعي.

في “بالنسبة لبكرا شو”، كنتُ أتماهى مع “زكريا”،

هذا الفقير الذي يشبهني.

فقري كان كفقره، وجعي كان كوجعه،

لكنه كان يضحك على واقعه،

أما أنا، فكنت أبكيه.

كنا نحن الاثنان في المكان ذاته،

هو يتهكّم، وأنا أختنق.

 

واليوم، أنا في الخامسة والأربعين،

وأنت متّ في التاسعة والستين،

لكن شيئًا ما في داخلي يقول:

أنا أمّك.

أو ربما أنت أبي.

أو ربما كنا رفيقين في وجعٍ لم يُعرف،

لم نلتقِ، لكننا التقينا.

التقينا في الوجع،

في النكتة التي تخفي الطعنة،

في الموسيقى التي تقول ما لا يقال.

 

لا أريد أن أكتبك بقلم الناقد،

ولا بقلم الكاتب، ولا الفيلسوف،

أنا لا أملك هذه الأقلام أصلاً.

أنا فقط طفلة،

طفلة كانت تحملك في قلبها،

كأنك كنزها المخفي،

تخبّئك عن العالم، وتستأنس بك حين يضيق بها الظل.

 

وأنا اليوم أحترم خيارك.

أحترم أن تختار الموت،

أن ترفض زرع كبد، أن ترفض إطالة البقاء،

وكأنك كنت تعرف أن الحياة قيمتها في موتها، لا في استمرارها.

ربما كان موقفك الأخير هو أصدق مسرحية صامتة،

صمتٌ فيه قرار، وفي القرار كل الفلسفة.

 

وداعًا يا زياد…

لكن وداعًا لا يشبه النهاية،

وداعًا يشبه ابتداءً آخر،

صامت… عميق…

يشبهك.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *