معرض “كما في السماء كذلك على الأرض” في دار النمر للفن والثقافة… رحلة على أجنحة الألوان والظلال إلى عالم الأيقونات
رحلة في عالم الأيقونات من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحت عنوان “كما في السماء كذلك على الأرض” تنقل زائر المعرض الذي تنظمه دار النمر للفن والثقافة على أجنحة الألوان والظلال إلى عالم إبداعي فريد يغوص في أعماق الإيمان القائم على جمالية الرجاء من خلال أيقونات مشرقية ومُقدَّسية، ومجموعة من صلبان عرق اللؤلؤ وباب خشبي أواخر القرن الثامن عشر- بداية القرن التاسع عشر، بيت لحم فلسطين، عرق اللؤلؤ، خشب زيتون، عظم، وخريطة من ستة أجزاء للأراضي المقدسة من إعداد جوهانس جانسون وجورجيوس هورنيوس، 1662، هولندا، حبر على ورق. المعرض من انتاج دار النمر والبحث من إعداد محمود زيباوي، ويستمر لغاية ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.

مرجع مهم
عرّفت دار النمر المعرض بكلمة ألقت فيها الضوء على أهمية وفرادة الأيقونات التي يضمها:
تعكس مجموعة الأيقونات المعروضة حيوية الحركة الفنية الأصيلة التي اتخذت القُدس مركزاً لها، إذ أن كثيراً من آباء وأجداد الفنانين الفلسطينيين عملوا في صناعة الأيقونات، إضافة إلى العمارة وترميم وتزيين الكنائس.
تعود هذه الأعمال الفنية إلى زمن لم تقتصر فيه مركزية الأراضي المُقدَّسة على مكانتها الروحانية التي استقطبت المؤمنين من الديانات الثلاث، بل كانت أيضاً مركزاً فنياً فريداً ازدهرت فيه مدارس أصيلة في صناعة الأيقونات بأشكالها وأنماطها المتعددة التي تُعرض مختارات منها في المعرض.
برز العديد من رسامي وصانعي الأيقونات المُقدَّسيين، وكثرت على أيديهم المحترفات الفنية، وصدّرت الأراضي المُقدَّسة نتاج مدرسة القُدس إلى الكنائس في سائر أنحاء المشرق العربي، كما حمل الحجاج القادمون من شتى أصقاع العالم تذكارات أيقونية.
تميزت أيقونات مدرسة القُدس بخط فريد ومغاير للمدارس الكلاسيكية، سواء البيزنطية أو اليونانية وحتى الحلبية، وشهدت المدينة في أوج هذه الحركة الفنية ازدهاراً في السياحة الدينية، أثمر صنوفاً متنوعة من الأعمال الفنية الدينية ذات الطابع التذكاري، منها خرائط الأراضي المُقدَّسة والأيقونات المنجزة على الهياكل العظمية للأسماك والأصداف من نهر الأردن.
إن خرائط القُدس التذكارية، والتي أوفى الدكتور محمود زيباوي حقها في البحث والسرد والتمحيص، هي من أكثر قطوف مدرسة القُدس إثارة للدهشة، إذ أنها غنية بالعناصر الجمالية التي ترسم العديد من معالم المدينة المُقدَّسة والمدن المحيطة بها، كما ينقل بعضها الآخر العديد من المشاهد من الكتاب المُقدَّس، إضافة إلى صور القديسين.
يمثل هذا المعرض مرجعاً للمهتمين بالفنون عامة وبالأيقونات المشرقية على وجه خاص، بحيث يساهم في خلق نقاش حيوي ينطلق من العمل الفني ويحيط بمختلف جوانبه التاريخية والسياسية والاجتماعية.
حركة فنية عامرة
يرافق المعرض كتيِّب يشمل دراسة تفصيلية حول الأيقونات جاء فيه:
“ليات ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض” (متى ٦:١٠)
في الحقبة الأخيرة من العهد العثماني الطويل، شهدت فلسطين حركة فنية عامرة تمثلت في نتاج متنوع. جذبت الأراضي المُقدَّسة الكثير من مصوري الأيقونات اليونانيين والروس، وسار على خطى هؤلاء رسامون محليون وقَّعوا أعمالهم بأسمائهم الصغرى مرفقة بكنية «القُدسي»، أو «الأورشليمي»، وفقا للتقليد الشائع في ذلك الزمن.
شاع هذا النتاج «القُدسي» شيوعًا عظيمًا في سائر بلاد الشام وبلغ مصر، كما يُستدلّ من الكمّ الهائل من هذه الأيقونات الحاضِر في كنائس هذه البلاد إلى يومنا هذا. إلى جانب هذه الأيقونات، خرجت من القُدس لوحات تذكارية منجزة على القماش تميزت بحجمها الكبير وبطابعها الطوبوغرافي. جمعت هذه الخرائط الطوبوغرافية أشهر المواقع المُقدَّسة حول صورة مختزلة لكنيسة القيامة التي تعد “سرة الأرض”. أعدت هذه الخرائط لصالِح الحجّاج الذين حملوها كما حملوا تذكارات صغيرة، منها أيقونات منمنمة أنجزت على أصداف وعظام سمك خرجت من المياه التي قدّسها قديمًا المسيح.
يجمع هذا العرض عدداً من الخرائط التذكارية الكبيرة وسلسلة كبيرة من الأيقونات القُدسيَّة، إضافة إلى بعض من الأيقونات التذكارية المنمنمة.
في هذه الأعمال المتنوعة، تتحد صورة القُدس الأرضيّة بصورة القُدس الآتية «المدينة المُقدَّسة أورشليم الجديدة»، تلك التي رأها يوحنا اللاهوتي «نازلة من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزينة لرجلها» (رؤيا ٢١:٢). في هذه المدينة التي جمعت الدنيا والآخرة وحملت بعضًا من “صفة الجنة”، كما أشار البشاري المقدسي، تحلّ الأبديّة في الزمان في ظل «فاعل الخلاص في وسط الأرض» (مزمور١٢: ٧٤). المسيح هو نفسه الهيكل، والقديسون “ينظرون وجهه، واسمه على جباههم”، “ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس، لأن الرب الإله ينير عليهم وهم سيملكون إلى أبد الآبدين” (رؤيا ٥، ٤:۲۲).

مدرسة القُدس
شهد فن تصوير الأيقونات نهضة كبيرة في بلاد الشام، ظهرت معالمُها الأولى في القرن السابع عشر. عاشت هذه النهضة عصرها الذهبي في القرن الثامن عشر، وتواصلت في القرن التاسع عشر حيث برزت مدرسة جديدة مركزها مدينة القُدس.
في كثير من الأحيان، حملت الأيقونات التي خرجت من هذه المدرسة اسم مصوّريها وكنية «القُدسي » أو «الأورشليمي»، أي من القُدس، وانطلاقاً من هذا الأسلوب المتبع في التوقيع، تم التعرف على اسماء میخائیل مهنا القُدسي، يوحنا صليبا القُدسي، نقولا ثيودوروس القُدسي، واسحق نقولا الأورشليمي.
وجدت الأيقونات التي صوّرها رسامو هذه المدرسة رواجاً كبيراً، وانتشرت في كافة أرجاء سوريا ولبنان، كما بلغت الديار المصرية حيث دخلت بعضاً من الكنائس القبطية.
اتبع هؤلاء المصورون أسلوباً جامعاً في التصوير والتزيين، ويُمكن القول إن هذا الأسلوب المحلي لا ينفصل عن الأسلوب الشعبي الذي برز في الشرق المسيحي في هذه المرحلة. في مجمل أيقونات مدرسة القُدس، سادت القامات القصيرة والوجوه المدورة ، وغلب الطابع الفطري على الدقة الحرفية العالية في التنميق والتذهيب، هكذا خرجت وجوه القديسين عن النسق النسكي التقليدي الذي التزمه الفن البيزنطي على مرّ العصور، وتميزت بمسحة طفولية فرحة.
خلت المساحة الخلفية من أي تزويق، وزينت بإطار بسيط اقتصر النقش على سلسلة من النجوم تملأ الهالة المحيطة برؤوس القديسين، وباتت الحلّة الزخرفية بضعة شتول نباتية مزهرة تزين بعض عناصر التأليف.
اعتمدت الأبجدية اليونانية في كتابة عنوان الأيقونة، بينما كتبت أسماء القديسين، والمقاطع الإنجيلية باللغة العربيّة.

الأيقونسطاس والرسل
أنتج المصوّرون المُقدَّسيون أيقونات صُنعت خصيصاً لتجد موقعًا ثابتاً في الكنائس، كما انتجوا أيقونات مفردة للعبادة الخاصة في المنازل، والأرجح أن بعضاً من نتاجهم كان للحجاج الذين سعوا لاقتناء الأيقونات كتذكار يحملونه معهم إلى بلدانهم.
أنجزت الأيقونات الكنسية لتزين في المقام الأول الأيقونسطاس أي حامل الأيقونات، هو الجدار الذي يحجب الهيكل ويفصل بينه وبين الكنيسة، وله ثلاثة أبواب، أكبرها باب يجد موقعه في الوسط يُدعى «الباب الملوكي»، وهو مخصص للكهنة وحدهم. تحدّ هذا الباب أيقونة المسيح من جهة اليسار، وأيقونة العذراء من الجهة الأخرى، وتجد السيدة موقعها عن يمين المسيح، وفقاً لقول المزمور: “جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير” (مزمور ٩: ٤٥). يشكل هذا الترتيب حجر الأساس في بناء الإيقونسطاس.
فوق الباب الملوكي نجد مجموعة أيقونات الأعياد الرئيسية التي تُعرف بالأعياد السّيدية الكبرى، وهي: مولد السيدة، دخول السيدة إلى الهيكل، البشارة، الميلاد ، دخول السيد إلى الهيكل، معمودية المسيح، التجلي، دخول السيد إلى أورشليم، الصعود، العنصرة، رقاد السيدة، رفع الصليب الكريم. ويعلو هذه الصف مجموعة أيقونات الرسل الاثني عشر التي تؤلف صفاً موازياً. على رأس الأيقونسطاس، نجد أيقونة على شكل صليب تمثل السيد المسيح مصلوباً، وعن جانبيه السيدة العذراء ويوحنا الإنجيلي.

القديسون الفرسان
حملت الأيقونات المفردة مواضيع عدة، واستعادت بالدرجة الأولى صور القديسين والقديسات الذين حظوا بتكريم واسع في بلاد الشام. كما في سائر أنحاء الشرق المسيحي، احتل القديسون الفرسان مقاماً رفيعاً في هذا الميدان حيث تكاثرت صورهم بشكل لافت وعلى رأسهم جاورجيوس وديمتريوس.
كان هؤلاء القديسون جنوداً في الجيش الروماني ممن اعتنقوا المسيحية خلال حقبة اضطهاد الإمبراطور ديوكلتيانوس بين عامي ۳.۳ و ۳۱۳ ميلادية. تشبّث القديسون بإيمانهم، فتعرضوا لأفظع أنواع التعذيب، ونالوا إكليل الشهادة، وشاع تكريمهم بسرعة، وتعاظم في القرون الوسطى حيث تكرّرت صورهم على أحصنتهم في قوالب تشكيليّة شبه ثابتة.
على خطى المصورين الذين سبقوهم ، استعاد الرسامون المُقدَّسيون هذه الصور، وصاغوها بأسلوب مدرستهم الخاص. إلى جانب جاورجيوس وديمتريوس، يحضر عدد كبير من القديسين، منهم يعقوب الفارسي المقطع الذي استشهد في مدينة بابل على نهر الفرات، بعد أن قام جلادوه بتقطيع أصابع يديه ورجليه، ثم ذراعيه وساقيه ورأسه. كما نقع على صور لقديسين محليين لا نجد لهم أي ذكر في الغرب المسيحي، ومنهم الطبيب الشافي اليان الحمصي الذي قضى بعد أن قام الجلادون بغرس المسامير الكبيرة في رأسه، والقديس موسى الحبشي الذي هجر حياة الترف ومضى باحثاً عن الملكوت، فذهب إلى فلسطين لزيارة قبر السيد المسيح، ثم انتقل إلى سوريا حيث أسس ديرًا في قارا وبقي فيه مع مجموعة من تلامذته إلى أن قتل على يد جنود الإمبراطور الروماني.

تذكارات الأراضي المُقدَّسة
منذ القرن الرابع، شكلت المناطق التي مرّ بها المسيح خريطة طوبوغرافية مُقدَّسة، وارتبطت هذه المواقع بأحداث أخرى سبقت ظهور المسيح. تطورت هذه الخريطة الطوبوغرافية بسرعة، وشملت أديرة ومزارات عدة حملت أسماء قديسين مروا بشكل أو بآخر في فلسطين.
في القرن الثامن عشر، شهدت القُدس نشوء نوع جديد من هذه الخرائط التذكارية، وجاءت هذه الخرائط على شكل لوحات ذات أحجام جدارية تجمع بين سلسلة متنوعة من المباني والصور. تتشابه هذه الأعمال في مواضيعها، غير أنها لا تتطابق، والأكيد أنها خرجت من محترفات عدة، كما تشهد الأساليب المتبعة في صياغتها.
تحتل كنيسة القيامة وسط التأليف، وتلتف حول هذه الصورة المركزية مجموعة من المشاهد تتغيّر في ترتيبها وفي مواضيعها بين لوحة وأخرى. في أغلب الأحيان، يحلّ مشهد الدينونة فوق المدينة الكنيسة العظمى. في القسم الأعلى من هذا المشهد، يحضر المسيح الديان على عرشه وسط تلاميذه، وفي القسم الأسفل، يظهر عن اليسار الملاعين والخطأة وسط النار، ويظهر عن اليمين الأبرار والمباركون في الملكوت.
تجمع الصور التي تتوزع على مسافة اللوحة بين احداث مختارة من العهد القديم وأخرى من العهد الجديد، إضافة إلى صور لعدد من القديسين. وترتبط أغلب هذه الصور ارتباطاً مباشراً بأمكنة جغرافية من الأراضي الفلسطينية. إلى جانب الصور المتوارثة، تحضر صور غير مألوفة تستمد تأليفها من القصص المحلية الخاصة بالأراضي المقدسة.

محمود زيباوي
ولد محمود زيباوي في صيدا، لبنان عام ١٩٦٢. انكبّ على دراسة الفنون التراثية المسيحية، وانجز كتابه الأول في باريس عام ١٩٩٣ وعنوانه «الأيقونة : معناها وتاريخها”. صدر الكتاب في أربع طبعات، فرنسية وإيطالية وإنكليزية وهولندية، تبعتها بعد عام طبعة بالألمانية وأخرى بالإسبانية. بعدها، صدر كتابه الثاني «مشارق مسيحية بين البيزنطية والإسلام» في أربع طبعات عالمية عام ١٩٩٥ وتبعه كتاب «الفن المسيحي الأول» في ثلاث لغات عام ١٩٩٨.
درس في معهد القديس سيرجيوس في باريس وحصل على شهادة الماجستير في الدراسات الدينية عام ١٩٩٨ ثم واصل الدراسة في جامعة السوربون، وحصل عام ٢٠٠٢ على دكتوراه في “تاريخ الفنون”، وكان موضوع البحث “أقدم الجداريات المسيحية في مصر”. بعد حصوله على الدكتوراه، أصدر ثلاثة كتب تباعاً في فرنسا وايطاليا بين عامي ٢٠٠٣ و ٢٠٠٦: «صور من مصر المسيحية». «جداريات من واحة البجوات»، «الأقباط : كنيسة شعب الفراعنة».
بعد هذه الرحلة المصرية الطويلة، عاد إلى المشرق وأنجز كتاباً حول جداريات كنائس سوريا ولبنان في القرون الوسطى نشره عام ٢٠٠٩. كتابه الأخير «مجموعة الأيقونات الحلبية في دير سيدة البلمند» صدر عام ٢٠١٦.
كتب أسبوعياً في «ملحق النهار»، على مدى أكثر من ثلاث عشرة سنة. ويكتب أسبوعياً في «المدن» منذ ثلاث سنوات.
درّس الفنون المسيحية كأستاذ زائر في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي بجامعة البلمند. وهو حاليا أستاذ متفرغ في الجامعة اللبنانية.



