السيادة الوطنية وتحدياتها في لبنان

العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين
تُعدّ السيادة الوطنية من أبرز مرتكزات الدولة الحديثة، إذ تعني قدرة الدولة على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية بصورة مستقلة، بعيدًا عن أي تدخل أو وصاية خارجية، مع امتلاكها أدوات القوة التي تتيح حماية حدودها وضمان مصالح شعبها. وتُعتبر السيادة التعبير العملي عن الاستقلال السياسي والقرار الحر، فلا استقلال بلا سيادة، ولا سيادة بلا استقلال فعلي.
يكتسب هذا المفهوم في لبنان أبعادًا إضافية نتيجة التركيبة الداخلية المعقّدة القائمة على تعدد الطوائف والأحزاب، وتنوّع الولاءات الإقليمية والدولية، فضلًا عن الموقع الجغرافي الحساس الذي جعل لبنان ساحة مفتوحة لتأثيرات وصراعات خارجية. لذلك، فإن أي خلل داخلي سرعان ما ينعكس على قدرة الدولة في الحفاظ على سيادتها.
ان أبرز مظاهر هذا الخلل يتمثل في واقع المؤسسة العسكرية. فالجيش اللبناني، رغم دوره الوطني الجامع وامكاناته وقدراته المتواضعة، ما زال يفتقر إلى التسلّح النوعي الذي يمكّنه من أداء مهامه الدفاعية الكاملة بخاصة على حدوده الجنوبية . ويعود ذلك إلى قيود خارجية وضغوط سياسية حالت دون تمكينه من امتلاك قوة رادعة. ونتيجة لذلك، تعرّض لبنان على مدى عقود لاعتداءات وانتهاكات إسرائيلية متكرّرة، بقيت في معظم الأحيان من دون ردّ عسكري مباشر من الدولة.
هذا الضعف أفسح المجال أمام بروز مقاومات شعبية مسلّحة ملأت جزئيًا فراغ الدفاع، لكنها طرحت في المقابل إشكالية مزدوجة: فمن جهة مثّلت عنصر قوة وردع، ومن جهة أخرى أثارت جدلاً داخليًا حول مسألة حصرية السلاح والقرار السيادي. وهكذا، وجد لبنان نفسه أمام معادلة دقيقة بين جيش ممنوع من القوة ومقاومة خارج الإطار الرسمي بالرغم من تشريعها في الدستور المتمثل باتفاق الطائف عام ١٩٨٩، ما جعل السيادة عرضة للتجاذب والانقسام.
فلتجاوز هذا الواقع والتجاذبات السياسية الى حد الخلافات بين المكونات ، ثمة حاجة ماسة إلى إعادة صياغة مفهوم السيادة الوطنية في لبنان على أسس واقعية ووطنية جامعة، بعيدًا عن الاصطفافات الطائفية والحزبية، بحيث يمكن تحديد أبرز هذه الأسس في النقاط التالية:
- حصرية القرار السيادي بالدولة، وابقاء قرار الحرب والسلم وإدارة العلاقات الخارجية بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية وحدها، ضمانًا لوحدة الموقف الوطني.
- استراتيجية دفاعية وطنية، بدمج قدرات الجيش مع إمكانات المقاومة ضمن خطة دفاعية موحّدة تحت إشراف الدولة، بما يحفظ الردع ويعزز الشرعية.
- رفض الارتهان للخارج، فحماية السيادة تقتضي تحرّر لبنان من الضغوط والإملاءات الخارجية، سواء أتت من دول كبرى أو من محاور إقليمية متنازعة.
- الوحدة الداخلية، إذ يشكّل الانقسام الداخلي الثغرة الأكبر أمام أي مشروع سيادي. فمن دون توافق وطني جامع، تبقى السيادة هشّة ومعرّضة للاهتزاز.
- البعد الاقتصادي للسيادة، بحيث لا تقتصر السيادة على البعد العسكري والسياسي فحسب ، بل تشمل أيضًا الاستقلال الاقتصادي عبر استثمار الثروات الوطنية كالغاز والنفط والمياه، ما يتيح للدولة التحرر من الارتهان المالي للخارج.
بالخلاصة، ما زالت السيادة الوطنية في لبنان منقوصة بفعل عجز الدولة عن امتلاك القوة الرادعة، وبفعل الانقسامات الداخلية التي تضعف الموقف الوطني. والحل لا يكمن في شعارات متبادلة أو اصطفافات ضيقة، بل في مشروع وطني متكامل يقوم على دولة قوية وعادلة، وعلى وحدة داخلية متينة، كما على قرار مستقل يضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.



