سجلوا عندكم

كيف تبنى الجمالية

Views: 455

وفيق غريزي

ان الغرض من كتاب مارك جيمينيز ( ما الجمالية ؟) لا يقوم على غرض تفصيلي لمختلف التحريفات والتطبيقات الخاصة بالجمالية ، كم يمكن للمتلقي ان يجدها في موسوعة ، او بحث مركز ، في كتاب مدرسي او قاموس، ولم يكن الغرض منه القيام بعرض تاريخي دقيق لمختلف الأنظمة الفلسفية – الجمالية التي توالت منذ أفلاطون إلى أدورنو ، ولأبسط جردةمن العقايد الخاصة بالفن خلال اربعة وعشرين قرنا .

قبل عشرين سنة ، ظهرت علامات الشيخوخةالمبكرة على لفظ الجمالية ، المستعمل لتعيين التفكير الجمالي في الفن ، كما ظهر اللفظ باليا وقابلا للاندثار ، على الرغم من ان معناه الحديث يرقى إلى القرن الثامن عشر فقط . بل ذهب بعض الفلاسفة حتى الى التصريح ، بسخرية ،ان الجمالية باتت ، على الرغم ما اعوامها ال200 ، من منتصف القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن العشرين، فشل  ساطع عامر بالنتايج . ايا كان ثقل الماضي السلبي ، فقد انقضى الزمن الذي كان يوًسف فيه لحال العداء ، بل الاحتقار للجمالية ، بل يشهد على الإقبال على النشر المتزايد في السنوات الأخير ة، على عودة الاهتمام النظري في الفن . ان مجموعة من الاسباب تفسر هذا الميلاد الجديد.

المفكر مارك جيمينيز

 

الميلاد الجديد للفن 

ان الفن الحديث في بداية القرن العشرين ، وردة الفعل القوية عند دعاة هذا الفن ، تجاه التقليد ، وعنف التظاهرات الطليعية ، هذه كلها تبلبل ، في اللحظة الحالية ، عمل منظري الفن . وهنا قلة من علماء الجمال خاطرت بين العام 1910، والحرب  العالمية الثانية ، في اقتراح تفسير نظري وفلسفي لاعمال الفن الجاهز لمارسيل دوشان او لاعمال مجموعة دادا الاستفزازية ، او اللوحات التكعيبية لبيكاسو، او للمعزوفات غير النغمية لارنولد شوتبرغ ، او لبرنامج اندريه بريتون الاولى للفن الحديث في صورة متماسكة ومنسقة ، إلا ابتداء من ستينات القرن العشرين، وحسب اعتقاد الموًلف فان الفن المعاصر يعاني ازمة في شرعيته ، فالفنانون ” الحاليون متهمون باستساغة السهولة ، وبإنتاج اي شيء كان، وبتفضيل صيتهم الاعلامي على حساب الايقاع الفني ، كما يتم توجيه الاتهام ، في صورة متكررة، إلى الفن الحديث ، والى تصوره الحلمي عن عالم محسن بفضل الفن ، بوصفهما مسوًولين عن حال الانهيار هذه “.

أن إلجمالية التي تتعين في هذا العصر ، بسبب اصولها الفلسفية ، بوصفها فلسفة الفن ، قابلة لان تستبدل الموقف من الفن عموما ، لا الاعمال الفنية . ان الفن ممارسة عاملة بطرق مخصوصة ، ومطبقة على مواد محددة ، ما يوًدي إلى انتاج أعمال فنية . اما الجمالية كممارسة قايمة بذاتها، فانها تمكن من أعمال التفكير في الفن ، وفي الاعمال الفنية ، مولدة بذلك عالما مفهوميا تكوينيا لمعرفة ما  . وفي هذا السياق يقول الموًلف :

” ان الجمالي وفق معناها الحالي ، وايا كانت الخصوصية او التنوع المميزين لها منذ عالم الجمال بومغارتين ، لا يمكن ان تختصر باي من العلوم المحددة التي لجاًت اليها احيانا ، مثل علم النفس ، وعلم التحليل النفسي ، وعلم الاجتماع والإناسة ، والسوسيولوجيا واللسانية ” .

فكرة ابداع مستقل 

يعود إلى الاب الدومينيكاني  الفيلسوف واللاهوتي البير الكبير ( 1193-1280)التعريف الذي قوامه :ان تبدع فهذا يعني ان تنتج شيئا ابتداء من لا شيء . هذا التاكيد التعريفي ، الذي اطلقه استاذ توما الأكويني قرابة العام 1230 ، لا يستثير ، في ايامه هذه ، اي اعتراض بعينه ، ولا يقوى احد على توجيه اللوم اليه بسبب من اعتياديته الظاهرة . وفكرة الابداع الفني نفسها ، بوصفها خلقا من وجهة نظر الموًلف هي في حد ذاتها مرفوضة ، طالما ان الخلق هو من امتيازات الله والانسان ، اذ ينتجهما فنيا ، لا يقوم ، وهو اسير نهايته ، إلا بكشف القدرة اللامتناهية التي للخالق الكلي القدرة . وموضوع جنة عدن في سفر التكوين ، الذي أتاح مجالا واسعا ، خلال قرون ، لتاًويلات لاهوتية عديدة ، يعبر بوضوح عن الفكرة القائلة بان الخلق يبقى خاصا بالله : فالإنسان ، حتى المتمتع بحرية خاصة به ، لم يخلق الجنة الأرضية ، بل جرى وضعه في جنة عدن ، مع مهمة وحيدة هي خلاصتها : ” علينا انتظار عصر النهضة ، في الغرب ، لكي يصبح مفهوم الابداع الفني مفكرا فيه ، ومقبولا في الوقت نفسه “. في هذه ظاهرة مدهشة ، للوهلة الاولى ، لان التفكير في ابداع فني ، والقبول بصنيع إنساني خالق للأعمال والقيم ، يكشف عن تناقض مع الفلسفة الدينية .

 

العقل والحساسية 

في النهضة عند بدايتها على الاقل  ، لم يكن للخيار بين العقل والحساسية معنى، والمحاكاة تشكل المبداً الجمالي الغالب ، واستهدافات الفن تتعين في الطبيعة ، والإنسان او الله ، ويقول الموًلف :” ان تكريم الله بمحاكاة صنيعه ،اي الطبيعة او الإنسان ، يسمح ببلوغ الجمال ” . هذه الفكرة ، التي تختصر وحدها جمالية النهضة ، تتبين في صورة موفقة في التعريف الذي يخص به فازاري وليونار دوفنشي . يمكن للتأثيرات السماوية ان تمطر مواهب عظيمة على بعض البشر ،انه اثر من اثار الطبيعة ، إلا ان هناك  شيئا يفوق كل ما هو طبيعي ويتحصل من التراكم الزاخم ،عند الإنسان بعينه ، للجمال والنعمة والقوة حيثما يعمل هذا الإنسان ، فان كل حركة من حركاته الهية الطابع ، ما يجعل الآخرين ينكسفون ، ويتم الانتباة حينها بشكل واضح  الى انها حاصل نعمة سماوية ،لا تعود أبدا إلى المجهود الإنساني ، وتظهر العلاقة بين العقل والحساسية في غموضها كله . وتشهد النهضة كما يرى الموًلف انتصار النزعة الإنسانية ، الإنسان هو يقيس الفعل الخلاق ، من جهتين : بوصفه فنانا ، مفسرا بين الطبيعة والفن ، وبوصفه ( اي الإنسان) موضوعا للتصوير كما يظهر في التصوير والنحت .

غموض الاستقلالية الذاتية للجمالية 

ان فوز الجمالية بالاستقلالية ذاتية يعني كذلك التفكير في الفن ، توقف الفلاسفة بالطبع ، في كل عهد ، عند مشكلة الجميل ، وعند القواعد المقصورة على انتاجه ، كما عملوا على تحديد مكانةالفنون ووظيفتها في المجتمع ، وسعوا أيضا إلى فهم المشاعر التي تستثيرها أعمال  الفن لدى البشر  ،ونظرية الجميل يقول الموًلف :” تشغل مكانة هامة في مولفات أفلاطون وأرسطو الذي كتب بحثا في الجميل الذي لم يصلنا بكل اسف . اما بلين القديم ضحية انفجار بركان ” فيزوف” في إيطاليا في العام 79 ميلادي . ومولف الكتاب الضخم تاريخ الطبيعة . فقد رسم صورة واسعة عن تاريخ الفنون في العصور الغابرة . وبعد ديون كريزوستوم الخطيب الإغريقي في القرن الاول بعد المسيح ، احد نقاد الفن الاوائل ، الذين خصوا الفضائل المقارنة بين النحت والتصوير بدراسة .

 

نقد الحداثة وما بعد الحديث 

منذ نهاية السبعينيات من القرن العشرين ، وفي مطلع الثمانينات اشتدّت الانتقادات الموجهة الى الحداثة والى المشروعات الطليعية ، والموضة الموسومة ( موضة رجعية ) كانت منذ وقت ، بادية التدليل على اعادة النظر في معنى للتاريخ وذلك في اتجاه متتابع صوب مستقبل حداثي ومشرق . ويتوخى عصر ما بعد الحداثة وما بعد الطليعة ان يضع كلمة الختام لعصر الحداثة ، وبطولى ذات تمامية إعجازية . ” العصر هو عصر الفردانية وتاكيد حرية تدع لكل واحد متعة الحكم والتقويم كيف ما يسره . تتخلى في ذلك عن المعايير والقواعد التي وضعها الفن الحديث . وتصبح اكثر تقبلا لأشكال الماضي وأساليبه .

ليست ما بعد الحداثة حركة ، ولا تيارا فنيا ، بل في التعبير اللحظوي عن ازمة الحداثة التي تصيب المجتمع الغربي ، ولا سيما البلدان الأكثر تقدما في الصناعة . هي اكثر ، حسب راًي الموًلف ،من استباق مستقبل تتحاشى تصوره ، بل تبدو خصوصا مثل اعراض جديدة لازمة الحضارة. هذه الأعراض تختفي تدريجيا ، بينما الأزمة تبقى . انها تحتل اليوم ، مكانة كبيرة في السجال الحالي حول الفن المعاصر .

كان الشاعر الفرنسي شارل بودلير يعرف ان مصور الحياة الحديثة محكوم عليه برسم هيئة حداثة انتقالية ، هاربة ومحتملة . الا انه لا يمكن تخطي هذه الحداثة إلا بحداثة هي بدورها موًقتة ، وهكذا دواليك . ليس امام فنان العهد ما بعد الحداثي إلا  خيار واحد ، هو الاستعادة المتكررة للماضي ، وهو ايضا قبول الحاضر ، وهو مدعوبعد تحرره من الطوبى الحداثية ، إلى التمتع بهدوء ومن دون تطلعات وهمية ومستقبلية بمحاسن العهد الحالي .؟ان الثقافة الكبرى والثقافة المشتركة ، تقيمان وصلا يعزز قيام معرفة  ودية بين الفن والجمهور ، وذلك بتعزيز الطابع الجاذب في العمل ، والاعتراف بشدته الداخلية .

هذا الكتاب لمارك جيمينيز يراجع تاريخيا ونظريا وتحليليا انبناء الجمالية كسبيل دراسي وفلسفي ،منذ التفلسف الإغريقي مرورا بالنظريات الكلاسيكية . وصولا الى المذاهب الفلسفية المتأخرة ، وهو بقدر ما يعاين الخطاب الجمالي يعاين ايضا التجارب والأساليب الفنية . فضلا عن انه يعاين تشكل هذا الخطاب الخصوصي في نظرية الحداثة نفسها …

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *