حزنٌ يمتدّ كبحر وحنين إنساني لا يشبه إلا “حنينا”
د. شوقي عمّار
أن يقعَ على أكتاف مسامعك خبرُ موت، تتأهّب وتتهيّب!
تسأل على من وقعت القُرعة؟!
تتساقط بعضُ دموع على مسارين: مسار الرحيل ومسار الراحل..
فما أن تتعرّف أو تعرف اسمَ الراحل حتى تسافر في شريط ذكريات لا تنتهي،
تحتار من أين تبدأ ولا بداية،
وأين تنتهي ولا نهاية!!
أما أن يكون الراحل “حنينا أبي نادر” فتغرق :
في حزنٍ يمتدّ كبحر،
في ألمٍ يسكنك كوطن،
وفي آهاتٍ تلتفّ على قلبك كمحيط المحيط..
هنا لا مجال للإنشاء والخيال،
في حضرة “حنينا” لا شيء سوى الحب،
والابتسامة والفرح.. لماذا؟
لأن “حنينا” لم يكن إلا ذلك المتسامح مع الآخرين والمتصالح مع ذاته،
ولم يرَ في الحياة إلا ذاك الأبيض في الكفّ والقلب والروح..
“حنينا” كان بيتاً مفتوحاً” على الثقافة فكان “مجلس الفكر” وزوجته ورفيقة دربه الرائعة المفعمة بعطر الفكر في شتى إتجاهاته،
وكان “كتاباً إبداعياً” في جوهر الإنسان والإنسانية..

أتذكره كيف كان يحلو لهما هو والدكتورة كلوديا شمعون أبي نادر أن يقيما او يحتفلا بالمناسبات الثقافية على امتداد ربع قرن من العطاء،
وما صالونهما “مجلس الفكر” في بيت مري أو دارتهما في قرية عبدللي إلا الشاهد الأكبر على آلاف اللقاءات من أمسيات شعر وأدب وتواقيع كتب ومحاضرات وندوات وكونسرتات موسيقية وحفلات تكريمية وإبداعات لامتناهية.
وما ميّز تلك اللقاءات اللازوردية هو الحضور الثقافي الراقي وكرم الضيافة..
فكانت سفرتهما أشبه بعرض تراثي وفولكلوري لفخر صناعة الأجداد..
فكم كان مميزاً ورائداً في كل ذلك، حيث ترتفع الرايات الورقية فوق كل طبق كما يحب أن يسميها “حنينا”:
“لبنة ماعز بلدي” من مزرعته،
“زيت قطاف السنة” من شقى يديه،
“خبز مرقوق” على الحطب،
“خضار شهية” من أرضه،
“عرق بلدي” مثلث كما الروح القدس:
كرمة عنب أصيل وأرض طيبة وساقٍ أطيب..
فتلاقت أقانيمه الثلاثة في كل شيء،
في المحبة والحب ولقاء الأحبة،
في الشهامة والأخلاق والكرامة،
وفي العطاء والكرم والوفاء..
“حنينا” يا من ترافقنا منذ منتصف التسعينات هنا وهناك..
هنا حيث لبنان الجغرافيا نعيشه في شتى الاتجاهات..
وهناك حيث لبنان الثقافة نشارك في كينونة استمراره..
وكما يقال: لا زرع طيبًا بدون تربة صالحة وفلاح موهوب..
والحق يقال: لا مجلس فكر ولا جمعية جذور لولا دعمك الدائم لنا، كنت تقف متمرداً على الجرح، متعالياً على الصغائر،
رافضاً للأحقاد، جامعاً للمحبة،
بيتاً للمحتاجين وقلباً للمعذبين..
“حنينا”، لن أرثيك لأنك الحاضر أبداً،
لن أودعك لأننا على موعد جديد،
لن أبكيك لأنك لا تؤمن بالحزن،
ولم تكن يوماً إلا ساحة أفراح ومهرجان جمال..
سأنتظر غداً اتصالك تدعوني لغداء في البترون،
سأنام هذه الليلة على حلم طفولي صغير أن ثمة لقاء وثمة فرحًا وثمة جمالًا،
أي ثمة “حنينا” في الأفق،
وعندما يكون ثمة “حنينا” لا بد أن تجد “كلوديا” في سحر ابتسامتها تقول: “يا اهلا وسهلا” ،
ولا بد أن يأخذك عناق “بترا” و”باميلا” الى حنين إنساني لا يشبه الا “حنينا”..



