سهيل مطر: سيمون خليل عاشق زوق مكايل ما أجمل لغتك!
سهيل مطر
أيها الأصدِقاء،
أُعذروني مرتين وسامِحوني:
الأولى: لأنني أُخالفُ السَّيرَ وأتمرَّدُ على لُغة سيمون وشُعراءِ العاميَّةِ والزَّجل. سیمون يرشُقني بوردةٍ، بطربونِ نعنع، بخُصلةِ حبَقٍ مقطوفةٍ من جُنينة الزوق وأرضِ لبنان، أما أنا فأردُّ عليه بحبَّة تَمر وببعض الرُطب وحبّات رمل لملمتُها من “سقط اللّوى بين الدَّخول فحَوملِ”. ما أجملَ لغتِك یا سيمون، وما أصعبَ لُغتي، وإن على نُبلٍ وأصالةٍ.
الثانية: أُعذروني لأني، وإن لم أكُن رجلَ استخباراتٍ، فإنني قد تنصتُّ، منذ ليالٍ… وأصغيتُ وسمعتُ حِكايةَ حُبٍّ، فسامِحوني إن أفشیتُ سِرّاً. ویا ویلَ العُشَّاق، من ثرثرة النمَّامين الحسودين.
كنتُ مارًّا، مند ليالٍ في الزوق، حيث للحِجارةِ والشَّجرِ والأزهارِ نِعمةُ الخيالِ والجمالِ، سمعتُ همساتٍ أصغيتُ: صوتُ شابٍّ وصوتُ فتاة:
– مساء الخير،
-مساء الورد.
-أين أنتِ؟ لا أراكِ.
-تطلَّع إلى الحِجارة، إلى الشَّجرةِ، إلى مجرى السَّاقيةِ، إلى حفافي الزَّهرِ، إلى النَّوافذِ الخجولةِ، إلى القناطرِ المفتوحة على المدى والدَّمعِ والحُبِّ، تطلَّع تراني.
-ماذا تفعلين؟
-أتغاوى، أزهو، أتغنَّجُ، أرقُصُ، أُسامرُ الغيومَ والبحرَ والقناديلَ، أُلاعِبُ الأطفالَ، أتسلَّلُ إلى أحلامِهم، أتبادلُ وإیاهُم عروسَ السِكَّر، ألعبُ، أنامُ… وأحلُم.
-بماذا تحلُمين؟
-أحلُم بأن أصيرَ أميرةَ الجمالِ والفرحِ والحُبِّ.
-ماذا سكرانةٌ؟ متكبرةٌ؟
-لا لستُ مُتكبِّرةً بل بنت أكابِر، لا عن ادِّعاء، بل لأنَّني أصيلةٌ وحُلوةٌ ومربى الدَّلال، أُنظُر إلى فُستاني حاكه نولُ أبي، حریر، ناعم، شفَّاف. لا تنظُر كثيراً وعميقاً، لا ترَ ما لا يُرى، فأنا أُصلِّي…
-ماذا؟
– أُصلّي، ألا تسمَع في صوتي بعضًا من بُحّةِ جرسِ الكنيسة، وتراتيلِ الراهبات في خَشعة اللَّيلِ.
-وغير ذلك؟
-أكتُب شِعراً، وأنقُل رسائل الغرامِ بين العُشاقِ الطيّبين، وأحفظُ قصائدَهم.
-وهل تعرفين الياس أبو شبكة؟؟
– أوه هذا المجنونُ الطيِّبُ، كأنَّه لِصٌّ مرق، على رُؤوس الحبَق، كأنه ما مرق، كأنَّه: أرجِع لنا ما کانَ يا دهرُ من لبنان.
-وبماذا تتميَّزين؟
– أتميَّزُ بصفات كثيرة، ولكن أحبَّها إلى قلبي، لا تعجَب، هي: الحريَّة. قدري أن أتشاجرَ کلَّ يومٍ مع القفَص، فما مرّ رجُلٌ مُقيدًا، على مِساحة عينيّ، إلا فككتُ قُیودَه وأطلقتُه للريح والوطن.
– ما اسمكِ؟
– ألا تعرِف اسمي، مزيجٌ من الذوق ومن ابتساماتِ الملائكةِ والأمَّةِ المُقدَّسةِ، وصياحِ الدّيك، سکوت، سكوت.
ثم سمعتُ همستين فقط:
-أُحبُّكِ
-أُحبُّكَ
اسمُ تلكَ الصبيَّةِ الحُلوةِ: زوق مكايل.
اسمُ العاشِقِ الولهانِ السَّكرانِ النشوانِ السَّهرانِ: سيمون خليل.

هذا هو، لا تدَعوه يهرُب، ولا تُزعجوه بسؤالٍ أو حكاية. دعوه في سُكونِه وغفلتِه. ربما هو يكتُب قصيدةً جديدةَ، لِمن؟ لِمَن جلسوا، وهُم ينظرون إليه بحُبٍّ وحنان: ندى، سيمون، ساریتا، جورج ونادين، وبين أيديهم، أحفاد عا مدّ عينِك والنَّظر. وعلى جِهة أُخرى، أصدقاء، زُملاء، طلَّاب… كلُّهم بصوتٍ واحِد: الله معك، حتى يُصبحَ العنوانُ بدلًا من حرير زوق مكايل: حریري زوق مكايل. عندئذ، أُذكرنا في ملكوتك.
وشُكرًا لكُم.
***
*ألقيت في حفل تكريم الشَّاعر سيمون خليل وتوقيع ديوانه الزجليّ الجديد “حرير زوق مكايل” الصَّادر عن دار نَعمان للثَّقافة، في باحة البيت الحِرفيّ – بلديَّة زوق مكايل – كسروان.




