سجلوا عندكم

لبنان المتروك بين القانون المعطَّل والدولة المنقسمة

Views: 1272

العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين

ليس جديداً على اللبناني أن يشعر بأن الدولة التي يحمل جنسيتها لا تشبهه ولا تحميه. الجديد هو هذا القدر من الانكشاف الكامل: قوانين واضحة بلا تطبيق، سيادة منقوصة، وانقسام سياسي وطائفي حادّ جعل مفهوم “الدولة” نفسه موضع جدل. في ظلّ المجاهرة بالتعامل مع العدو من دون محاسبة، والسيطرة الجوية الإسرائيلية، وضعف السياسة الخارجية، يجد اللبناني نفسه أمام سؤال جوهري: هل ما نعيشه فشل دولة أم تعطيل متعمّد لها؟ وكيف يمكن العيش في هذا الواقع المتصدّع؟

من الناحية القانونية، موقف لبنان الرسمي لا يحتمل التأويل: إسرائيل عدو. فقد نصّ قانون العقوبات اللبناني بوضوح على تجريم أي شكل من أشكال التعامل معها.

تنص المادة 273 على معاقبة كل لبناني يتعامل مع دولة عدوة أو مع أحد عملائها، سواء كان التعامل سياسياً أو اقتصادياً أو أمنياً، وتصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة إذا أدّى الفعل إلى إلحاق ضرر بالدولة. كما تُجرِّم المادة 274 الاتصال بالعدو أو التعامل معه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فيما تتناول المواد 278 وما يليها جرائم التجسس ونقل المعلومات التي تمسّ أمن الدولة.

إلى جانب ذلك، لا يزال قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 نافذاً، وهو يحظر السفر إلى إسرائيل، والتعامل التجاري أو المالي معها، أو الترويج لها أو لشركاتها، بأي وسيلة كانت.

المشكلة، إذاً، ليست في غياب النصوص، بل في تعليق مفاعيلها. فالقانون الذي لا يُطبّق بعدالة يتحوّل إلى أداة انتقائية، يُستخدم عند الحاجة السياسية ويُهمل عند تضارب المصالح. وهنا يتجلّى الخلل البنيوي: قضاء خاضع للتجاذب، ودولة عاجزة عن فرض سلطتها على جميع مواطنيها من دون استثناء.

فما بين السيادة الواقعية للدولة وبين الادعاء بها، تشكل السيطرة الجوية الإسرائيلية والاعتداءات المستمرة خرقاً مباشراً للسيادة اللبنانية، لكنها في الوقت نفسه تعكس عجز الدولة عن حماية حدودها وفرض قرارها. هذا العجز لا يرتبط فقط باختلال ميزان القوى العسكرية ، بل بغياب استراتيجية دفاعية وطنية وسياسة خارجية موحّدة. فلبنان الرسمي يعلن مواقف لا يمتلك أدوات لتنفيذها، فيما ينشغل الداخل بصراعاته وانقساماته.

لم يعد الانقسام في لبنان مجرّد اختلاف سياسي، بل تحوّل إلى انقسام عميق حول الخيارات الكبرى والتموضعات الإقليمية. ومع كل متغيّر في المنطقة، من سوريا إلى العراق، ومن الحصار على إيران إلى إعادة تشكيل موازين القوى، يظهر لبنان كدولة متأثرة لا فاعلة، وساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.

أمام هذا الواقع، لم ينتظر اللبنانيون دولتهم لتؤمّن شروط الصمود. فالمجتمع، رغم الانقسام، طوّر آليات بقاء: التضامن العائلي، المبادرات المحلية، الاقتصاد الصغير، والقدرة على التكيّف مع الأزمات المتلاحقة. هذا الصمود لا يعني الرضوخ، بل هو تعبير عن إرادة حياة في وجه الانهيار.

نختم لنقول بأن لبنان اليوم ليس بلا قوانين، بل بلا دولة قادرة على فرضها. وليس بلا شعب، بل بشعب يواجه ويناضل ويقاوم بطريقته وامكاناته، وبما توافر له من وعي وصبر وتشبّث بالأرض. فبين القانون المعطَّل والانقسام الحاد، يبقى هذا الشعب هو آخر خطوط الدفاع عن فكرة لبنان نفسها. فالدولة قد تُشلّ، والسيادة قد تُنتهك، لكن ما دام في المجتمع نبض مقاومة وصمود، يبقى الأمل قائماً بأن لبنان سيبقى عزيزًا كريمًا واحداً موحداً مهما عصفت به الرياح العاتية.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *