سماء لندن محتشدة ومتلبدة، ولا أحد هناك يبكي علينا
لندن – سليمان بختي
لم تمنحني لندن دهشتها المفرطة كما في كل مرَّة فلم أعد أذكر عدد السفرات إليها ولا مناسباتها وإن كانت في الأخيرات منها للاطمئنان على ابني وابنتي في الإقامة والعمل في بلاط بلاد السان جيمس.
حقا لا تستعاد الخطوات الأولى ولا الروائح ولا رذاذ المطر الناعم يهمي بلا انقطاع.
ما عادت لندن كما وصفها صمويل جونسون “لأنك إذا مللت لندن فقد مللت الحياة” .

فهنا شارع أوكسفورد الشهير في وسط المدينة يدخل في تجربة تحويل مزاج البريطانيين من خلال مقاهي الأرصفة،وأيضًا في التحول إلى شارع للمُشاة على الأقل في نهاية الأسبوع بعدما ازدحمت ارصفته بالناس من كل الاجناس تروح وتجيء على الدوام، وجيث الواجهات مضاءة وملونة ومزدانة مثل شجرة الميلاد .
لا تهدأ حركة القطارات فوق الأرض وتحتها منذ الصباح ولا حركة الشباب والصبايا المسرعين في كل الاتجاهات.
تغتبط لرؤية تلاميذ الجامعات في حركة الاحتجاج والتظاهر تقريبا كل أسبوع تاييدا لغزة وفلسطين.
ولكن أخبار لندن ليست على ما يرام، فهناك تزايد في عدد الـ”هوملس” أو المشردين يفترشون الشوارع وأبواب المحلات، والاقتصاد منكمش والعديد من المولات الكبرى والمحلات أقفلت ابوابها أو قلصت نشاطاتها.
والسباق محموم بين الغلاء وزيادة الأجور.
والحرب الاوكرانية لا تزال تستنزف بريطانيا وأوروبا كلها.
واليمين المتطرف الصاعد يلقى هوى فقد دعا زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج إلى تظاهرة في ١٣ ايلول الماضي قدرت بأكثر من مائة ألف احتجاجًا على سياسات الهجرة وتحت شعار “وحدوا المملكة”، وحملوا لافتات تطالب باعادة المهاجرين إلى بلادهم، والاعداد بلغت هذه السنة ٢٨ ألف مهاجر.
هذه التظاهرات تبدو وكأنها تعترض بطريقة معكوسة على أمور مغمسة بالسياسة والمصالح حتى أخمصها. وبدأت هذه الروح الغاضبة تتسرب إلى الشارع من خلال النظرات وتعابير الوجوه.

وهناك طرفة يتداولها المهاجرون وهي أن وزيرة الداخلية شعبانة محمود التي تتشدد في إجراءات الهجرة هي من أصول باكستانية. وأنهم صوروا بالفيديو شريطًا لمتظاهرين ضد سياسات الهجرة يأكلون الفلافل بعد انتهاء التظاهرة.
هذا الجو دفع برئيس الوزراء كير ستارمر إلى الرد على هذه الطروحات بالقول إن بريطانيا اليوم على مفترق الطرق، فإما أن نختار الاحترام والتضامن والتنوع وإما التقسيم والتجزئة .
وتشعر أن الإنكليز مثلنا، وليس مثلنا أحد، ينتظرون لحظة ما، لحظة قد تسبق الكارثة على ما يقول دستيوفسكي . اي شيء من هراء الوهم أو الشهود على السقوط ولا يملك المرء شيئا سوى المرور فيه . ولكن رغم ذلك لايزال شاي الساعة الخامسة يقدم في وقته، ولا يزال نهر التايمس يجري في مستقره ليصب في بحر الشمال. ولا تزال الجسور والأبراج العالية تثير الدهشة كما وصفها تشارلز ديكنز في “الآمال الكبيرة” أو ربيع جابر في” يوسف الانجليزي” .
في ٢١ ايلول الماضي أعلن رئيس الحكومة كير ستارمر اعتراف المملكة المتحدة رسميا بدولة فلسطين .
ويتساءل المرء هل يشبه هذا الإعتراف بمفاعيله وعد بلفور الشهير في القرن الماضي، أم تغيرت المياه تحت الجسر ؟ولكن ستارمر علق على الأوضاع في غزة بالقول: “المجاعة والدمار لا يطاقان إطلاقا. هذا الموت والدمار يرعبنا جميعا. أوقفوا هذه الأساليب ودعوا المساعدات تتدفق”.
وكتب في ٢٤ أيلول في الصحف البريطانية ونقلتها بعض الصحف العربية مقالا بعنوان : “أصداء التاريخ والتزامات أجدادنا” أن الاعتراف بدولة فلسطين هو خطوة حيوية على درب يعيش فيه المواطنون العاديون بسلام. ومؤكدُا أن الإعتراف لا يغير الوضع على الأرض وأننا نجدد عهدنا في بذل الجهود ومواصلة زيادة المساعدات إلى غزة.
ولا يزال عُمدة المدينة صادق خان (من أصول باكستانية) يخترع أفكارًا جديدة مثل تجربة تعزيز استخدام الدراجات الهوائية التي تملأ الشوارع في المدينة ، وتخصيص بعض الشوارع في المدينة للسيارات الكهربائية. وأبدى خان جرأة لافتة في انتقاده لزيارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب للمملكة.
ولكن لندن، رغم كل شيء، تظل على عهدها في مجال الثقافة والتنوع والحداثة. فالمكتبات ملأى بالرواد، وعروض الكتب لبيع الكتاب الثاني بنصف السعر تجذب تلاميذ الجامعات. والمسارح كذلك ملأى بالعروض الجديدة والمتجددة مثل “كاباريه” و”ماماميا” و”اوليفر” و”شهود المتلاحقة” و”شبح الاوبرا” و” تيتانيك” كوميديا موسيقية وغيرها الكثير.

تأسى لانك لا تستطيع مشاهدة كل هذه العروض الجميلة. وتقرا في إعلانات المترو أن الوقت هو المال والوقت يأخذ كل المال. تحاول أن تزرع في نفسك طمأنينة من كل الوجوه القريبة والبعيدة التي التقيتها. وتدرك وأنت في الطريق إلى المطار أن هذا الغيم المتلبد الذي يقف في وجهك لا يشبه غيومنا التي تعبرنا بليونة.
تحاول أن لا تتعود على صوت المترو وهو يطحن الحديد على السكك. وتتأكد أنك منذ غادرتها آخر مرة لا تزال لندن تغتسل تحت المطر.
تتذكر كلمات الشاعر نزار قباني : “لأي سماء نمد أيدينا/ ولا أحد في شوارع لندن يبكي علينا “.



