شوق على شوق
د. جان توما
يمتدّ العمر كالحيّ القديم، كجدارين لا يلتقيان، تضحك السماء على زعلهما، وتجمع بينهما تعرّشات الياسمين كحبل غسيل يواجه الشمس بين نافذتين في بيوت المفرق العتيق.
سكن العمر هنا في وجع الحجارة المتقابلة من دون لقاء. وحده المطر يغسل وجوهها الرمليّة الناعسة، وتكرج حبات الغيث على الطريق، تسقي جذوع العرائش وتنكات الحبق، وتكرج مع الأولاد في مجرى الحيّ، تلهو معهم ، تنشد معهم: “تعرفني كلَ أغاني المطر ، لا تتركيني شاحباً كالقمر”.
تركته وحيدًا يواجه الريح والعاصفة وليالي الوحدة. اختصرت الإبحار بوداع على رصيف بحريّ بلا تلويح بمنديل مطرّز، فيما سفينة العمر تغرق في الأفق رويدًا رويدًا، كأن الشراع يصير بساط ريح يجوب الآفاق ولا يلقى وطنًا.
اُعْبُر ِالحيّ بهدوء كي تسمع خطوات من مرّ قبلك. ففي كلّ خطوة قصّة، وفي كلّ عبور حكاية. هنا تدخل الحيّ الضيّق لتنبسط لك بعده ساحة رجاء تعيدك إلى الوجوه الأليفة، هنا الكلّ ينتظر عودة الغائبين، هنا لا جرس بيت، فأبواب المنازل مفتوحة كي لا يأتي الغائب ويرى الباب مقفلًا فيعود… من دخل الحيّ القديم عاد… حيًّا من جديد.



