الانتخابات في لبنان بين النصّ الدستوري والعرف السياسي: قراءة في بعض الثغرات القانونية وآفاق الإصلاح.
العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين
تُعدّ الانتخابات النيابية في لبنان الركيزة الأساسية لتجديد الشرعية الدستورية وتداول السلطة، غير أنّ الواقع السياسي والطائفي جعل من هذا الاستحقاق رهينة الأعراف والمصالح السياسية والارتباطات الإقليمية والدولية طبقاً للمتغيرات الحاصلة في المنطقة، بحيث تحوّل النص الدستوري إلى إطار شكلي تُعلَّق عليه التوافقات المسبقة أكثر مما يُحتكم إليه.
ففي ظلّ الأزمات السياسية والاقتصادية الراهنة، يطرح السؤال الدائم نفسه لكن هذه المرة بإلحاح: هل لا يزال القانون الانتخابي اللبناني يعبّر عن إرادة الشعب، أم أصبح مجرّد تسوية مؤقتة بين مكوّنات النظام التي تحكمها الطوائف والطائفية؟
أولاً: الأساسيات الدستورية للانتخابات النيابية
ينظّم الدستور اللبناني العملية الانتخابية في مواد عدّة أبرزها:
- المادة 21: “لكل لبناني بلغ السنّ القانونية الحق في أن يكون ناخباً، على أن تتوافر فيه الشروط المنصوص عليها في قانون الانتخاب.”
- المادة 24: تحدد توزيع المقاعد النيابية على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، “مع مراعاة الإنصاف بين الطوائف والمناطق”.
- المادة 27: تنص على أن “النائب يمثّل الأمة جمعاء ولا يجوز أن تُربط وكالته بقيد أو شرط.”
- المادة 42: تُلزم بإجراء الانتخابات العامة لتجديد المجلس النيابي “خلال الستين يوماً السابقة لانتهاء ولايته.”
هذه المواد، مجتمعة، تؤسس لمبدأ التمثيل الشعبي الشامل ودورية الانتخابات، وهي من ركائز النظام البرلماني الديمقراطي.
لكن المشكلة لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في آليات تنفيذها والقيود السياسية التي تحكمها.
ثانياً: الأعراف السياسية تقيد بعض النصوص الدستورية
على الرغم من وضوح المواد الدستورية، برزت أعراف طائفية متجذّرة منذ اتفاق الطائف (1989) أعادت صياغة الممارسة السياسية بما يتجاوز النص القانوني ،منها:
- التوافق المسبق على القوانين الانتخابية في الكثير من الأحيان قبل عرضها على البرلمان، بحيث تُفصَّل القوانين على قياس القوى الطائفية والسياسية الحاكمة.
- توزيع المقاعد على أساس طائفي بامتياز ، ما يجعل العملية الانتخابية أقرب إلى استفتاء طائفي لا منافسة وطنية.
- التذرع بالظروف الأمنية أو الاقتصادية لتأجيل الانتخابات (كما حدث في الأعوام 2013 و2014 و2017) وما قبلها، في مخالفة صريحة للمادة 42.
تلك الأعراف وغيرها أنتجت ازدواجية بين الدستور كوثيقة قانونية والواقع كإدارة سياسية تحاصصية، ما أدى إلى خلل في مبدأ المساواة السياسية بين المواطنين.
ثالثاً: الثغرات القانونية التي تعيق التطبيق الفعلي
- قانون الانتخابات (القانون رقم 44/2017)
على الرغم من إدخاله النظام النسبي للمرة الأولى، إلا أنّه يحمل عدداً من الثغرات:
- تقسيم الدوائر على نحو غير متكافئ يكرّس نفوذ الطوائف الكبرى ويضعف الصوت التفضيلي للأقليات.
- الصوت التفضيلي يُمارس ضمن القضاء لا الدائرة الكبرى، ما يعزّز العصبية المحلية والطائفية، ناهيك عن التكتلات الحزبية .
- التشكيك الدائم بغياب الهيئة الوطنية المستقلة للإشراف على الانتخابات، رغم النص على تشكيلها في المادة 19 من القانون، إذ بقيت صلاحياتها محدودة أمام وزارة الداخلية.
- ضعف الضوابط المالية والإعلامية، ما يسمح بتأثير المال السياسي والإعلام الحزبي في النتائج.
- اقتراع المغتربين
القانون رقم 44/2017 أقرّ للمرة الأولى حقّ اللبنانيين غير المقيمين في الاقتراع، لكن التطبيق واجه مشكلات حقيقية ، منها:
- عدم المساواة في تمكين اللبنانيين المقيمين في دول مختلفة من التسجيل والمشاركة، بسبب ضعف التمثيل القنصلي أو الضغوط السياسية في بعض الدول.
- شكاوى عديدة من البعض (الطائفة الشيعية)على سبيل المثال في بعض البلدان من صعوبات لوجستية أو قيود غير رسمية تحدّ من ممارسة حقهم، وهو ما يمسّ مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة 7 من الدستور (“كل اللبنانيين سواء لدى القانون”).
- غياب الآليات الشفافة لمراقبة صناديق اقتراع المغتربين وضمان نقلها بأمان إلى لبنان، ما يضعف الثقة في نزاهة النتائج.
رابعاً: بين الضغوط الداخلية والخارجية
لا يمكن فصل المسار الانتخابي في لبنان عن البيئة الإقليمية والدولية. فكل استحقاق انتخابي يصبح ساحة للتجاذبات الخارجية ، حيث تسعى بعض الأطراف إلى توجيه موازين القوى الداخلية.
فمن جهة، تمارس بعض الدول ضغوطاً سياسية على فئات معينة من الناخبين في الخارج، ومن جهة أخرى، تُستخدم المساعدات الدولية أحياناً كأداة تأثير غير مباشر في تحديد توقيت الانتخابات أو قانونها.
في المقابل، تستغل القوى الداخلية هذا الواقع لتبرير تأجيل الانتخابات أو المطالبة بتعديلات تصبّ في مصلحتها.
خامساً: نحو إصلاح دستوري وانتخابي متكامل
لمعالجة هذه الاختلالات، يقترح الباحثون الدستوريون جملة إصلاحات جوهرية، أبرزها:
- إنشاء هيئة وطنية مستقلة فعلياً للانتخابات، تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي الكامل عن السلطة التنفيذية.
- اعتماد نسبية شاملة في دوائر كبرى، مع إلغاء الصوت التفضيلي أو تعديله ليُمارس على مستوى اللائحة.
- مراجعة شاملة لقواعد اقتراع المغتربين بما يضمن المساواة في التسجيل والاقتراع والإشراف.
- تحييد العملية الانتخابية عن الضغوط الطائفية والسياسية من خلال تطوير الثقافة الدستورية وتفعيل دور القضاء الدستوري في الرقابة على دستورية القوانين الانتخابية.
- العمل على اعادة النظر بالأعراف المعمول بها منذ زمن،للصالح العام للمواطن على حساب الحزبية والطائفية.
وعليه نخلص بأنّ الأزمة الانتخابية في لبنان ليست أزمة قانون بل أزمة ممارسة. فالدستور واضح في مبادئه، لكن الأعراف الطائفية والضغوط السياسية هي المشكلة وبزوالها يكمن الحل.
فالطريق إلى الديمقراطية الحقيقية يمرّ عبر تحرير النص الدستوري من هيمنة ذلك العرف، وتكريس مبدأ المساواة في التمثيل، سواء في الداخل أو في الاغتراب.
من دون ذلك، ستبقى الانتخابات اللبنانية مجرّد استحقاق يُعيد الإنتاج نفسه في دولة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى شرعية قانونية فعلية لا عرفية.



