سجلوا عندكم

بين الكلمة والطريق: قراءةٌ وجدانيّةٌ في أثر أمين الريحاني

Views: 556

فاروقُ غانم خداج

في بعضِ القراءات، لا نخرجُ بنصٍّ جديد، بل نخرجُ بنسخةٍ أعمقَ من أنفسِنا. هكذا كان لقائي بكتابٍ فتح نافذةً على عالم أمين الريحاني، لا بوصفه كاتبًا فحسب، بل بوصفه تجربةً إنسانيّةً تتجاوز حدودَ الزمانِ والمكانِ. وقد شكّلت قراءةُ كتابه “رحلة إلى جزيرة العرب” مدخلًا حيًّا إلى رؤيته للعالم، حيث تتقاطع الرحلةُ الخارجيّةُ مع رحلةٍ داخليّةٍ أعمق، تتكوّن فيها الأسئلةُ بقدر ما تتشكّل الإجاباتُ.

لم تكن القراءةُ فعلَ اطّلاعٍ، بل كانت عبورًا داخليًّا نحو أسئلةٍ أكبرَ من الإجاباتِ، ونحو معنى الكلمة حين تتحرّرُ من التكرارِ وتدخلُ حيّزَ المسؤوليّةِ. فالنصوصُ العظيمةُ لا تُقرأ لما تقوله فقط، بل لما تُحدثه في القارئ من تحوّلٍ صامتٍ يُعيد ترتيبَ نظرته إلى ذاته والعالمِ من حولِه.

أتذكّر كيف بدأت الحكايةُ من حديثٍ عابرٍ مع الأديبِ المهجري أسعدِ يوسفِ زيدان، حين أشار إلى اسم الريحاني كمن يقدّم مفتاحًا لا اسمًا فقط. لم تكن النصيحةُ مباشرةً، لكنها كانت كافيةً لتوقظ في داخلي فضولًا مختلفًا؛ فضولًا لا يبحث عن معلومةٍ، بل عن اتجاهٍ. وكان ذلك البابُ الذي دخلتُ منه إلى رحلتي الخاصّة مع الريحاني، رحلةٍ امتزج فيها النصُّ بالوعي، والقراءةُ بالتأمّلِ.

ما يميّز الريحاني أنّه لم يكن أسيرَ هويّةٍ واحدة، بل كان جسرًا حيًّا بين الشرقِ والغربِ، بين الروحِ والعقلِ، بين التراثِ والانفتاحِ. لم يكن يسعى إلى التوفيقِ السطحيِّ بين عالمين، بل إلى اكتشاف الإنسانِ في كليّته، بعيدًا عن التقسيماتِ الضيّقة التي تختزل الفكرَ في قوالبَ جاهزةٍ. في كتاباته، يبدو كمن ينصتُ أكثر ممّا يصرّحُ، وكمن يطرحُ الأسئلةَ بقدر ما يقدّمُ من إجاباتٍ، ممّا يمنح نصوصَه طابعًا تأمّليًّا مفتوحًا على احتمالاتِ الفهمِ لا على يقينٍ مغلقٍ.

في هذا السياق، تبرز عبارتهُ الشهيرةُ:

“قل كلمتَكَ وامشِ.”

ليست جملةً عابرةً، بل خلاصةُ فلسفةٍ كاملةٍ في الموقف من الحياةِ والكتابةِ. فهي تدعو إلى الشجاعةِ الهادئةِ، إلى قول الحقيقةِ دون ضجيجٍ، وإلى ترك الأثرِ دون ادّعاءٍ. الكلمةُ هنا ليست وسيلةً للجدلِ، بل وسيلةً للصدقِ، والصدقُ لا يحتاج إلى تبريرٍ طويلٍ، بل إلى نيّةٍ واضحةٍ ومسارٍ مستقيمٍ. أن تقول كلمتَكَ يعني أن تتحمّل مسؤوليّتَها، وأن تمضي يعني أن تتركها تعمل في صمتٍ، دون أن تلاحق صداها.

الريحاني، في جوهره، لا يقدّم خطابًا نظريًّا بقدر ما يقدّم تجربةً معيشةً. إنسانيّتُه تسبق أفكارَه، ووعيُه يتقدّم على انتماءاتِه، لذلك تبدو كتاباتُه قريبةً من القارئ مهما اختلفت خلفيّاتُه، لأنّها لا تخاطب هويّتَه بقدر ما تخاطب جوهرَه الإنسانيَّ. وهذا ما يمنح نصوصَه قدرةً على الاستمرار، لا كأثرٍ أدبيٍّ فحسب، بل كمرجعٍ أخلاقيٍّ وفكريٍّ يتجدّد مع كلّ قراءةٍ.

ولعلّ ما يجعل الريحاني حاضرًا إلى اليوم، أنّه لم يكتب ليُعارَض أو ليُتّبع، بل ليُوقِظ. كتاباتُه لا تفرض إجابةً، بل تفتح أفقًا، ولا تدّعي امتلاك الحقيقة، بل تدعو إلى البحث عنها. وهذا النوعُ من الكتابة لا يشيخ، لأنّه قائمٌ على طرح السؤالِ لا على إغلاقه.

مع تكاثرِ الأصواتِ وتنازعِ الهويّاتِ، وتضاربِ الخطاباتِ، تبدو دعوةُ الريحاني أكثرَ حضورًا من أيّ وقتٍ مضى. فالعالمُ اليوم بحاجةٍ إلى من يقول كلمتَه دون أن يفرضها، ويؤمن بها دون أن يحاصر الآخرين بها. هنا يصبح الفكرُ مسؤوليّةً، وتصبح الكلمةُ التزامًا أخلاقيًّا لا مجرّد تعبيرٍ عابرٍ.

إنّ قراءةَ الريحاني ليست رحلةً في صفحاتِ كتابٍ، بل دعوةٌ لإعادة النظر في علاقتنا مع الكلمةِ ذاتِها: هل نكتب لنُسمَع فقط، أم لنُفهَم؟ هل نقرأ لنردّ، أم لنكتشف؟ هذه الأسئلةُ هي التي تمنح القراءةَ معناها الحقيقيَّ، وتحوّلها من عادةٍ يوميّةٍ إلى وعيٍ متجدّدٍ، ومن استهلاكٍ للنصّ إلى حوارٍ معه.

في النهاية، لا يخرج القارئُ من تجربةِ الريحاني وهو يحمل فكرةً واحدةً، بل موقفًا. ومثل هذا الموقف لا يُختزل في تعريفٍ أو تلخيصٍ، لأنّه يُمارَس في الحياةِ اليوميّةِ: في طريقةِ الكلامِ، في طريقةِ الإصغاءِ، وفي الجرأةِ على قول ما نؤمن به دون تردّدٍ أو تكلّفٍ. إنّه أثرٌ يتحوّل إلى سلوكٍ، وسلوكٌ يتحوّل إلى وعيٍ مستمرٍّ.

هكذا تتحوّل القراءةُ إلى أثرٍ، والكلمةُ إلى مسؤوليّةٍ، والكاتبُ إلى رفيقٍ في الطريقِ لا أكثر. وبين الكلمةِ والخطوةِ، تبقى المسافةُ قصيرةً لمن يدرك أنّ المعنى لا يُقال فقط، بل يُعاش.

***

* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *