تطوّر صورة الشرق في الأدب الإنكليزي… ذاك العالم الوحشي وما فوق الطبيعي
وفيق غريزي
اكثر الرحالة الغربيين الذين بحثوا عن المغامرة في الخارج ، على غرار الحجاج والباحثين الإيرلنديين في بداية القرن الخامس الميلادي ، والصليبيين في القرون الوسطى ، عادوا إلى الوطن الام ليخبروا او يكتبوا روايات تفتقر إلى الواقع انما تفيض بالخيال عن الشعوب الشرقية ومناطقها . وبهذا ، لا يمكن للقارىء التعمق في قراءة هذه الأعمال من دون ان يشعر بان هوءلاء الرحالة تاًثروا بالدعاية السياسية والدينية وببعض الصور المركبة ، فمن كتاباتهم ينبثق هذا العزم على تصوير الشرق وشعبه وحضارته تصويرا مشوها . ويعتبر ادوارد سعيد ان هذا العزم اتى نتيجة لانتشار الإسلام في رقعة واسعة من العالم ، في اول القرن الرابع عشر ، فشكل تهديدا تاًتى عنه “ذعر دايم “لدى الشعوب الأوروبية .
وكتاب ناجي عويجان ( تطور صورة الشرق في الادب الإنكليزي ) يؤكد ان هذه الصورة عن الشرق لها امتداد تاريخي بعيد ، نسبيا ، ولها محطات مختلفة ، سلبا وايجابا ، بعيدا عن الموضوعية واقترابا منها . ويرقى الاهتمام الإنكليزي بالشرق الى الحقبة الأنكلوسكسونية ، ولا سيما بعد اعتناق المسيحية في الغرب ، في اواخر القرن السادس ق م ، حيث ترسخ هذا الاهتمام بسبب توق الغربيين الى التجارة والحج والثقافة والمغامرة .

قبل القرن السابع عشر وخلاله :
كما سبق وذكرنا أعلاه ، ترقى الاتصالات بين الشرق والغرب إلى القرن السادس قبل الميلاد إلى ان ظهور المسيحية في بداية القرن الرابع الميلادي ، ومن ثم الإسلام في القرن السابع غيرا مجرى التاريخ السياسي والديني والثقافي ، ليس في الشرق فحسب بل في الغرب كذلك ، ويرى الموًلف ان الشرق قد نهض ، بعد قرون عدة من احتلال الإمبراطورية اليونانية والرومانية والبيزنطية ، وأحرز تقدما في ميادين متنوعة تعنى بالمعرفة ولا سيما في الادب والفلسفة والعلوم . وكانت أوروبا خلال تلك الفترة التي بلغت الفلسفة ذروتها ، لا تزال تلملم قواها بعد سقوط روما ، كما استرشد الباحثون الغربيون ، في القرون الوسطى بالمعرفة والحكمة في الشرق ، وعليه ” فقد توثقت الأواصر بين هذين العالمين الى حدود معينة من دون ان تصل إلى إلى رابط حقيقي اصيل . وعن طريق الحجاج والرحالة الى الأراضي المقدسة في فلسطين ،دخلت بعض الأفكار الشرقية إلى الادب الإنكليز ، واستمرت خلال الحقبة الأنكلوسكسونية “. وقد ساهمت روايات الغرب حول الشرق التي نقلها الحجاج والرحالة في خلق صور خيالية ومشوًهة ، فضلا عن معتقدات الانكلوساكسونيين القديمة في كل ما هو بطولي وعجائبي وخرافي . ويشير الموًلف إلى ان اسطورة ” طاير الفينيق ” تصور اطارا شرقيا غريبا تزينه المناظر الزاهية وتقيم جنة لهذا الطير في شرق سوريا . ويوضح الشاعر البريطاني كنيدي ان ان هناك شجرة شاهقة دوما خضراء في سوريا ، غير ان وصفه لها ينسبها الى أرز لبنان .
وفي الادب ، بلور جفري شوسر، وهو كاتب بارز في عصره ، أسهم في نشر صورة للشرق معتبرا اياه موطنا للخرافات وذلك في روايته ” صاحب الأملاك ” المفترض انها مقتبسة من روايةالرحالة ماركو بولو ، وعلى الرغم من انه يقول الموًلف : ” لم يكن يوًمن بصحة هذه الصورة”، حيث كان شوسر يعلم ان تلك القصص ما هي إلا اكاذيب حيث اعترف أن هذه الأكاذيب كانت تملاً جعبة الرحالة والحجاج .
الموًلف يقول : ” ان رواية ( رجل القانون ) لشوسر تكشف النقاب عن صورة الشرق السلبية ما بعد انتشار الإسلام ، اذ يظهر الشرق معقلا للعدوانية والمسلمون أنصارا للشيطان “. ويوًكد بايرون بوتر سميث ، ان تحيز شوسر لم ينبع من كونه مسيحيا متعصبا ، بل لانه كان يتبع تقليدا ادبيا الا وهو تشويه الشرق وشعوبه وحضاراته. ويمكننا القول ان الوسيلة الفضلى لتعميم الأفكار الخاطئة والمشوهة عن الشرق كانت ادب القرون الوسطى . وان الصورة المشوهة عن الشرق في الادب الإنكليزي استمرّت حتى تبلورت في عصر النهضة ، وهو عصر شهد تغيرات مهمة كانت لها انعكاسات ملحوظة على العلاقات بين الشرق والغرب .
ويصنف صاموئيل شو ادباء النهضة الذين كتبوا عن الشرق في فئتين : رحالة الوهم الذين شاهدوا الشرق بعين مخيلتهم ، ومن خلال غوصهم في بحور الأفكار الغربية ؛ واولئك الذين زاروا فعليا الشرق وكتبوا عن تجاربهم الشخصية ، تضم هذه الفئة الاولى ادباء مثل : روبرت بورتون ، وتوماس ديكر ، وهنري كينغ ، وفرنسيس بيكون . ففي العمل الشهير استطراد الهواء في كتاب تحليل الكاًبة يناقش بورتون فضيلة الترحال ويزور بمخيلته بقاعا كثيرة في الشرق . اما الفئة الثانية ، حسب ما يرى الموًلف ، فتشمل ادباء على غرار : فاينس موريسون ، وتوماس كوريات ، ووليم لينغو، و جورج سانجيس ، وسير هنري بلاونت ، والإخوة شيرلي ، ناهيك عن مسافرين دينيين مثل : وليم بيدولف وجون كارترايت والاب ادوار تيري ، ويعتبر صامويل شو ان إراء الفئة التي لم تزر الشرق مليئة بالتحيز السلبي ، اما الذين ذهبوا فعلا إلى هذه المنطقة ، فتراوح وجهات نظرهم بين التحيز السلبي المفرط ضد شعوب الشرق ، ولا سيما الأتراك ، ام من كانت اراوًه متعاطفة مع الاسلام ، فغالبا ما كان يعتبر عدوا وخائنا ،كما هي الحال مع الاخوةشيرلي الذين عانوا من الفقر المدقع.. ويشير الموًلف عويجان ، إلى أن تاثير الاستشراق الخاطىء يتجلى في الدرامى الشعبية لعصر النهضة . وفي حين يتميز تصوير المظاهر الخارجية لحياة الشرق بقدر كاف من الدقة ، غالبا ما يتم تشويه النواحي الدينية والثقافية ، هذا ، ويبحث لويس وان في دراسة مثيرة للاهتمام مسرحيات العصر الاليزابيتي التي تتحدث عن الشرق .
وتظهر هذه الدراسةا نه بين عامي 1558 و 1642 ، كتب اهم كتاب المسرح في تلك الفترة 47 مسرحية حول الشرق . ويشدد على ان تلك المسرحيات لم تكن تلبية لرغبة كاتب او مجموعة كتاب بل اشباعاً لاهتمام قراء تلك الحقبة بالأمور الشرقية ، وقد كان ثلثا هذه المسرحيات الشرقية من نوع التراجيديا ، اذ اعتبر الاليزابيتيون الشرق موطن الحرب والغزو وقتل الاخوة والشهوة والخيانة .
ويكشف الموًلف النقاب عن ان سيد المسرح الانكليزي وليم شيكسبير يظهر عددا من المفاهيم الإنكليزية المتداولةعن الشرق في مسرحياته . ففي المسرحية الكوميدية ( تاجر البندقية )وتراجيديا ( عطيل) يقدم شكسبير شخصيتين شرقيتين في المسرحية الاولى ، يعكس امير المغرب صورة الجشع والمجون حيث انه يختار الصندوق المذهب ويخسر بورشيا . ام في المسرحية الثانية ، فيرتكب عطيل المغربي العربي ، جريمة بربريةهي قتل زوجته وحبيبته . وبذلك يكون شكسبير قد اتبع التمييز نفسه المنتشر انذاك من خلال ابراز صورة الشرق بافظع أشكال الوحشية والخيانة .
كم ان جون درايدن تهجم مرتين على المسلمين : مرة عندما صورهم على انهم لا يلتزمون تعاليم ديانتهم ، ومرة لدى انتقاده اياهم لشربهم النبيذ لعلهم ينسون ما اقترفوا من جرايم مريعة . فقد تم ادخال هذه الصور في قصايد النصف الثاني من القرن السابع عشر ارضاء جمهور تلذذ بسماع اراء مشوهة عن اسلافه في تحيزه ضد الشرق وشعبه .
في القرن الثامن عشر :
لم يكن الاهتمام الإنكليزي بالشرق اكثر ترسخا في القرن الثامن عشر فحسب ، بل كان اهتماما كبيرا زادت مصداقيته اكثر من اي وقت مضى ، ويمكن ملاحظة مصداقيةهذا الاهتمام في تطور الثقافًة الشرقية السريع في إنكلترا وفي الحماسة التي لاقتها الترجمات الانكلزية للقصص الشرقية التقليدية مثل الليالي العربية ، اي ( الف ليلة وليلة ) ، وعليه اصبح الادب الشرقي لهذه الحقبات اكثر مصداقية مما كان عليه في الفترات الماضية. ويوًكد الموًلف انه في بداية القرن الثامن عشر ، ظهر الاهتمام بأدب الرحلات جليا من خلال مجموعات كتب الرحلات لتشرشل وهاريس وغرين التي تضمنت مولفات كتبت أصلا باللغة الإنكليزية وروايات مترجمة .
ويقول الموًلف :” وبما ان هوًلاء ركزوا على عادات الشرق وآثاره، فقد تميزت رواياتهم بدقة كاملة “. وينوه ، بان النصف الاول من القرن المذكور يتميز بكتابات اولئك المستشرقين الموسوعي المعرفة . اذ قام كل واحد منهم ، وفي مجال دراسته ، بمساهمة مهمة في الثقافة الشرقية ، فكانت ” المساهمة الاهم والأكثر وقعا مساهمة الفرنسي جان أنطوان غالان حين قام بترجمة كتاب ( الف ليلة وليلة ) من اللغة العربية إلى الللغة الفرنسية ، وقد ظهرت ترجمته ، التي سرعان ما نقلت الى اللغة الإنكليزية ، فكان لتلك الروايات تاثير عظيم ودايم على الشعب الإنكليزي والمجتمعات الأوروبية . وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر طورت الثقافة الشرقية اكثر من اي وقت مضى ، وقد اضطلع برياسة حركة الاستشراق السير وليم جونز . موًسس شركة بنغال الآسيوية . ويعلن جونز ان هدف الشركة يقضي بتنظيم بحث حول تاريخ اسيا وآثارها وفنونها وعلومها وآدابها .
ويعتقد الموًلف ان تاثير الف ليلة وليلة المباشر على القرن الثامن عشر يتجلى من خلال التركيب الذي اتبعه كل من جوناثان سوينت عي ” أسفار غوليفر ” وجوزيف إديسون في ” مواطن العالم ” وصموييل جونسون في ” راسلاس ” ووليم بيكفورد في ” فاتك ” . هذا وكان لشعراء هذا القرن اشارات عدة لهذا الشرق ، ويشير ألكسندر بوب إلى الساحل الفينيقي ، على انه مرتع الفنون ورسايل الأطفال . ولقد تاق الى الشرق فيما بعد رومانسيون على غرار بيكنور وكولردج وبايرون وكثيرون غيرهم استسلموا لسحر الروايات الشرقية لدى قراءتهم لها . وفي هذا الصدد يقول الموًلف : ” يظهر الشاعر وليم كولينز في قصيدته ( اناشيد الرعاة الفارسية) اهتمامه بالروايات الشرقية من خلال زخرفةقصايده باسما شرقية مثل : عباس وسليم وحسن ، إلا انه ما من شاعر حاول استيعاب روح الشرق الحقيقية “. هذا وقد عمل وليم بيكفورد على تعزيز التوعية حول الشرق ، عبر كتابه ( تاريخ الخليفة فاتك) اظهر فيه من الحقيقة والاستشراف ما يفوق رواية جونسون . ولقد ولد اهتمام بيكفورد في الشرق عندما وجد في ” احد الايام ” وفي سن مبكرة نسخة من الف ليلة وليلة ، فكان لتلك الصدفة اثر على حياته وشخصيته ، وما من حادثة اخرى تضاهيها ، وراح يقرأ القصص بتأثر ، فالهبت خياله اليانع واسرت قلبه ، ولم يغب اثرها يوما عن حياته.
في القرن التاسع عشر :
شهد القرن التاسع عشر عددا من العوامل التاريخية البارزة والاوربية ، التي عززت اكثر فأكثر تطور الثقافة الشرقيةفي بريطانيا . فقد أسهم غزو نابليون بونابرت لمصر (1798-1799) وحرب الاستقلال في اليونان (1820- 1828)في توسع سريع للعلاقات بين الشرق والغرب ، كما أديا الى اهتمام بريطانيا مرة اخرى بالشرق . زد على ذلك ان نمو الثقافة التاريخية والعلمية أدى إلى اعتماد دراسة اختيارية تتميز بالوعي والموضوعية ، وذلك في التعامل مع الشعوب والحضارات والبلدان الشرقية .
ويشيرالمولف الى ان من بين الرحالة الذين اصبحوا على كل لسان ، ذاع صيت الليدي هيستر ستانهوب واللورد بايرون . ” توجهت ستانهوب إلى الشرق عام 1810 ولم تعد إلى بريطانيا اذ استقرت في مار إلياس ، وهو دير صغير جبلي في لبنان ، حيث زارها الشاعر الفرنسي الفونس دو لامرتين . وبالرغم من انها لم تولّف اي عمل بارز فقد ادخلت حياتها في الشرق المجتمع البريطاني الذي زادت دهشته اثر نشر روايات الشاعر لورد بايرون الشرقية .
لقد شهد الربع الاول من القرن التاسع عشر نوعين من الاستشراق في الادب الرومانسي ، فالشعبية المتزايدة التي اكتسبتها الروايات الشرقية ، ولا سيما الف ليلة وليلة ، أسفرت عن غزو كاسح للاستشراق اجتاح الادب القصصي النثري ، كما خلق ميل الرومانسيين الفطريّ نحو كل ما هو غريب ، تيارا ثانيا تجلى في الشعر . ونذكر هنا ان الدراما فضلا عن أنواع ادبية اخرى ، تضمنت الموضوعات الشرقية إلى حد كبير ، غير ان هذه الأنواع الادبية لم تسترع اهتمام القراء الإنكليز انذاك . ففي الشعر كما يوضح الموًلف ، ابتدع الرومانسيون اسلوبا جديدا تاما لاستخدام الموضوع الشرقي ، احد العوامل التي اثرت بشدة في الفهم الغًربي للشرق الادنى هو ذاك الاعتقاد بان تلك المنطقة يمكن ان ترضي التوق الغربي إلى التجربة الغريبة . ويقول عويجان :” ان القصيدة الشعرية الشرقية الخيالية لكولردج ، تبرز الاماكن والاحداث الشرقية الحقيقية التي تخلق عالما غريبا يفوق الطبيعة ، وذلك بفضل خيال الشاعر الذي لا يعترف بحدود .
اما الشاعر بايرون فقد بدأ اهتمامه بالشرق منذ نعومة أظفاره ، ليتطور خلال حياته كلها . ان بايرون تطلع إلى الشرق منذ طفولته المبكرةبعين الرومانسي ،ففي رسالة بعثهاالى جون موراي ذكر بايرون بعض الأفكار التي يمكن تجسيدهافي احد الايام . وقدتطورت هذه الأفكار لاحقا في اربع روايات شعريةشرقيةهي : جاور وعروس أبيدوس والقرصان، وحصار كورنثيا ، والشرق هو المصدر الاساسي لهذه الروايات.
ان هذا الكتاب موسوعي ، جديد من نوعه ، لانه يلقي الضوء على تاثير الادب الشرقي على الادب الإنكليزي ، سلبا وايجابا، والمكانة الي احتلها كتاب الف ليلة وليلة على المبدعين البريطانيين، وانعكاس تاثيره على نتاجاتهم الاوروبية نثرا وشعرا….



