زمن تبدّل المواقف وغياب القيم
العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين
نعيش زمنًا تتبدّل فيه المواقف كما تتبدّل الرياح، وتُباع فيه القناعات في أسواق النفوذ والمصالح. صار من المألوف أن نرى الكتّاب والمحللين والإعلاميين ينقلون “بندقيتهم” من كتفٍ إلى كتف، لا بالمعنى العسكري بل بالمعنى الأخلاقي والسياسي — من كتف المبدأ إلى كتف المصلحة، ومن ضفة القيم إلى ضفة التمويل.
كانت الكلمة، يومًا، فعل شجاعة وموقف ضمير. وكانت الصحافة ساحة مواجهة مع الظلم، لا وسيلة ترويجٍ للسلطة أو رأس المال. نتذكّر في هذا السياق الراحل طلال سلمان، مؤسس جريدة السفير، التي رفعت شعارًا خالدًا: “صوت الذين لا صوت لهم”. كان سلمان مثالًا للصحفي الحر، الذي يرى في الكلمة رسالةً ومسؤولية، لا تجارةً أو مهنةً للارتزاق. أما اليوم، فكثيرٌ ممن يتصدّرون المشهد الإعلامي يهاجمون الضعفاء ويُهادنون الأقوياء، يبرّرون القمع ويزيّنون الخطايا باسم “الواقعية” أو “المصلحة الوطنية”.
قال الفيلسوف ألبير كامو: “وظيفة الكاتب هي منع العالم من الانحدار إلى العدم”. وحين يتحوّل الكاتب إلى جزءٍ من ماكينة التبرير، فإنه لا يمنع الانحدار، بل يسرّع سقوط العالم في هاويته الأخلاقية. أما جان بول سارتر فذكّرنا بأن “الكاتب مسؤول عن كل كلمة يقولها، حتى عن الصمت الذي يختاره”. واليوم، يبدو أن الصمت المأجور صار مهنة بحد ذاته، وأن الكلام لا يُقال إلا بميزان المصلحة والتمويل.
إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس تسلّط الحاكم، بل خيانة المثقّف. فالاستبداد يحتاج إلى من يُجمّله، والقمع يحتاج إلى من يبرّره، والمال يحتاج إلى من يُسوّقه على أنه “دعمٌ ثقافي”. وهكذا يتحوّل القلم إلى أداةٍ لتزييف الوعي، بدل أن يكون وسيلةً للتحرير.
هذا الانحدار لا يهدد القيم المحلية فحسب، بل يقوّض المنظومة الإنسانية التي كرّستها القوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان. فحين يُبرَّر قمع الناس باسم “الأمن”، أو يُستباح الضعفاء باسم “الضرورة”، يصبح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حبرًا على ورق. إذ لا قيمة للمادة الأولى منه — التي تنص على أن “الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق” — ما دام المال والنفوذ هما المعيار الحقيقي للمكانة.
لقد آن الأوان لإحياء الضمير المهني، وإعادة الاعتبار إلى الكلمة الحرة التي لا تُشترى ولا تُؤجَّر. فالكتابة ليست ترفًا فكريًا ولا وسيلة للارتزاق، بل التزامٌ أخلاقيّ مع الحقيقة والإنسان. ومن لا يستطيع أن يظلّ وفيًا لقلمه، فليصمت بشرفٍ خيرٌ له من أن يتكلم بثمن.
ففي زمن تبدّل المواقف وغياب القيم، لا نحتاج إلى مزيدٍ من الأصوات المرتفعة، بل إلى قلوبٍ صادقة، وأقلامٍ لا تُبدّل كتفها مع كل ريح.




