جوزف صايغ… ثروة إنسانيَّة عامرة
سليمان بختي
يعود إلينا جوزف صايغ بعد خمس سنوات على رحيله كما عرفناه ثروة إنسانية عامرة وغصنا اخضر من نفحات بلادي.
يعود على متن ديوان منسيات”.
نتذكره ويجمعنا على طريقته، الطريقة الاحب الى قلبه، ويحتفي معنا بالحياة وقيم الحق والخير والجمال.
كنا ننتظره في كل صيف ليعود وبيده الهمة والمشاريع والكتب والقصائد، ولا يتركنا نهدأ ولا نستكين.
وهذه المرة ايضا لم يخلف بوعده ولم ينس، وعاد مثل كل قصيدة أو مثل العود الأبدي.
وجوزف صايغ سيظل شامخاً وينتج ويضيف الى الشعر وزحلة ولبنان من وهج الميزان الذهبي والسمو الى اليقين.
أود التحدث في هذه الدقائق المتاحة لي عن العلاقة التي جمعتني به كناشر لمجموعة من كتبه الاخيرة.
كان جوزف صايغ عليلا من الرقة، وعليلا من الدقة، وكان العمل على نشر الكتاب حافلا بكل ذلك، أي الطلب الصعب المضني والملح على الكمال.

لم يكن الشكل عنده كثير التكاليف بل كان موازيا لمضمون يريد للشكل ان يضفي ويضيف عليه ويغنيه.
لفتني في جوزف صايغ ليس فقط كونه شاعر ًا كبيرًا وناشرًا كبيرًا وحالمًا كبيرًا، وصاحب البيان المشوق والعميق في شعره ونثره وفي براعة نقل الرشاقة من سطر الى سطر. بل هذه الغيرية والخوف على الآخر والخوف على القصيدة ونجاتها. وهو كان يعمل على كتب الآخرين لينشرها بالهمة عينها التي يعمل بها على كتبه، حتى انه ذات مرة قال لي: هل يعرفون كم نعاني لكي يخرج الكتاب إلى النور. ثم ابتسم ومشى. تلك الابتسامة لم يكن لها مثيل في بلادنا.
رأی جوزف صايغ ان الحل الوحيد للتعامل مع هذا العالم هو ان تتمرد عليه، ولذلك لفتت مقالاته المتمردة في الستينيات من القرن الماضي نظر اللبنانيين والعرب واعجابهم، حتى أن العميد ريمون إده سأل غسان تويني عن سر تمرد الشباب وخصوصاً في كتابات جوزف صايغ وانسي الحاج.
ردّ التويني: “يا أخي اجتمعوا معهم حاوروهم شوفو شو بدهم”. وهكذا كان وتدبر اللقاء بين العميد إده والشباب صايغ والحاج في مكتب عميد النهار في الحمراء. سأل العميد إده بداية انسي الحاج، “شو بدك من السياسيين بهالبلد؟” أجاب الحاج “انا ما بدي شي بدي اتلذذ بشــــــتيمتكم”. عال مفهوم وانت يا جوزف. أجاب جوزف: “كيف هالبلد بدو يعيش بين ســـــــوريا وإسرائيل. هذا وطن مستحيل ردّ العميد إده انسي الحاج فهمنا بس انت عمبدخلنا بأقدار الجغرافية والتاريخ.
أمضى جوزف صايغ نصف قرن واكثر في حياته في فرنسا ولم يطلب الجنسية. كأنه كان يخاف ان ينتقص ذلك من حبه للبنان. كان ينظر الى الوطن وكان على هذا الوطن ان يشبه القصيدة وإلا يصبح الوطن المستحيل .ذات مرة سألته على المنبر: وماذا بقي لك في لبنان ومن لبنان؟ كادت الدمعة ان تنفر من عينيه وقال وكانه يدفع عنه اتهاما ظالما: قبر امي وزحلة وشبابي. أخبرتني زوجته السيدة إليزابيث ان جوزف في زحلة لا يشبه ابدا جوزف في باريس.
فهو اغترب ولم يفارق ونتذكر من شعره اذ يقول :
اغتربنا ولم نفارق/ كأنا اغتربنا عنها ولكن اليها.
في آخر الصيف كان يمسه حزن المفارقة. وحين يغلق باب بيته في حارة الرأسية في زحلة يسمع اصوات امه وأبيه وجدران البيت تصرخ: الى اين؟
فيا صيف هذا الصيف الخامس بين تشرينين أعدت لنا الشذا والهبوب والحبور وفرشت له مد الطريق زهور.
هذا الصيف انت محسوب عليه ولست فيه وانت معنا وساكن في القصيدة وفي قلوب الذين اشتاقوك. منسيات قل كأنك لم تفارق ساعة هذا المكان ولا أتيت تزور.
***
*ألقيت في احتفالية إطلاق ديوان “منسيات ” للدكتور جوزف صايغ في قاعة شارل قرم في 2024/11/6



