سجلوا عندكم

سلامٌ يا تونسِ الخضراء…سلام يا زُمرُّدة البحر المتوسّط

Views: 744

ميراي شحاده

حين تمشي القصيدة  بين رئتيك وتثمل بمدامها أوردتُك، تكون في أحضان أنثى المتوسّطِ، في تونس السمراء…

تصلّي بلغتها الخضراء فترتسمُ نخلةً سامقة في ظلال مداها الأزرق! كأنَّ البحرَ يعرفُك منذ أمد… كأنّ الموج يكتُبُك ملحًا في رحم الزبد! كأنّ نور المشرق ونعناع المغرب يضوعان فيك ويُدثِّرُ الحنين أبوابي لرجل ناداني يومًا يا طفلتي الصغيرة وتركني وحيدًة لقطّاع الطرق!

بينَ بابِ البحرِ، والمئذنةِ الذهبيةِ، هام الزمان عليّ؛ من محراب جامع الزيتونة وشوشني ابن خلدون: هنا، يا صغيرتي، ثقبتُ صمتي وأولمتُ للدنى فكرًا، عبّدتُ به دربي! هنا الصوتُ يرقى، والسماءُ أندى. هنا الحبّ أنقى! وهنا أدركت حكمة وكتبتُ العبر لمن شقى وسيشقى!

-لم نفهم عليك يا سيّدي! سامحنا…فررنا في الأزقّة، كلٌّ على نول هواه، لم نشيّد لنا أوطانًا ولم ننسج للعتم أضواءً…كانت قناديلنا بالية وأطلالنا خاوية ومواويلنا كاذبة . اقتحمنا باسم الدين أرغفة المساكين ومضينا نزيّن الأغماد لسيوفنا المذّهبة!

آه يا الحبيب بورقيبة! ننتهي في ضريح يزوره السوّاح مبجّلين تاريخنا المعظّم وما سبرنا المعنى بعدُ وما عشقنا الحقيقة!

في المدينة…ليل يغفو فوق ذراعيّّ، وعيناي جاحظة في المسرح العربي المجاور لنزل الهنا! وأيّ هناء نحن فيه يا عرب مجرّة درب التبّان!

في المدينة…يشربون الشاي بالنعناع، وعصير البرتقال والرمّان! وحنطة الشعراء تذرف مواجعها في قصائدهم الولهى… وأنا وحيدة أستلقي على حافة كرسي عتيق أهملته السنون…عليه ألقيتُ كلّ شجوني وغفوت طويلًا…يا ليتها أحلامي بقيت معلّقةً هناك تزلزل في مساربها صمت الطين وتشيّد للحنين جسرًا يصلني بحرّاس السماء!

كم وددتُ أن أكون فسيفساء في متاحفك يا تونس، وأنا المنتشية بسحري أزفّ إليهم الألوان فتنسال من حصاتي الصغيرة  أقواس قزح تُنبئ العالم بالسلام!    

قلتُ: هنا ولد الشعرُ، لمّا غرّدت الشاعرة الشاميّة “فيروز مخّول” خرائط الدموع…لم أنجُ من حبّها ومن التأملات في “مرآة غيمها”! ومسّني نور العراق في نخيلك الجورانيّ يا هاني وقريتنا الصغيرة، أرضنا الكروية التي ضفرنا خطوط طولها وعرضها في بكلة شعرعلى سحنة القصيدة! نريد أن نفرح فلا “حزن للبيع ” يا خالد الخضري، لن أشترِ منك ولن أقرأ ديوانك…يكفيني أنني قرأت جلنار عينيكَ فلا تبالي يا صديقي بالفراق! شعرك الأبيض  قد أغاظ الموت يوم عرّجت على براق القصيد في تونس ساعة العناق!  وأيّها المغربيّ الأنيق الجزّار، هدهدتْني تراتيل دارتك البيضاء ، يوم تنزّلت ملائكة فجرك الحزين وغرَسَت أوتادَها في نبضي فكنتَ الخارج عن السياق وكنتُ إلى حروفك  أمضي في ارتقاء! !

 آه يا سعد مكّة الثقفي وخيمياء حبرك الّتي حوّلت الزهايمرفي المهاري إلى حلوى!  هناك علّقتُ على الجدران نقوشي كي يجد الطريقَ يومًا إليّ من اقتفى همس فضاءاتي …مزودي منسيٌّ في عرش المدن القديمة، وأحتار من أين أقترض الأمل يا أمل ناصر! من أين أفكّ أزرار الصعاب يا يامن! عبرت إليهم جميعهم وأكملت رسائلهم التي لم تكتمل! خانوا الملح يا صديقي واغتابوا رسمي في مراياهم! أترى لم يأتِ موعد العبور إليَّ!

ويا مفيد العزيز، لم نشخ في عالم الهوى ولو نُفينا… يدٌ واحدة نمدّها للأفق كي نسرق مجازاته..يد واحدة لا تكفي! ونبقى نكنس البحر في مد وجزر نعاود فيه الترحالَ! فلا ميناء يأوي مراكبنا المخلّعة  ولا زوارق تقلّنا إلى اللا مكان! سألتك ماذا تعمل في ألمانيا وباغتني سؤال عينيك: لا تسأليني عن حيرة دربي في ساعة أنتيكا ولا تسأليني عن غيومي وضبابي”أنا ممطرٌ دائمًا”، أربّي الحمام الزاجل في منفاي لرسائل لن أكتبها يا صديقة!  ربّما “نقوشك الفرعونية” يا حسام العقدة  تغيّر بوصلة الغيم كي تمطر سلامًا في بلادنا العربيّة! 

آه تونسَ، آه يا نبضَ القصيدةِ. كلّما ركضتُ إلى قرطاجك، أوثق حبل السرّة بين العواصم جميعها، تذكّرتُ أنّني شرقيّةٌ، لي ساقٌ واحدة وقلبٌ مثقوبٌ أرقت عطوره في أعراس المارة! بعضي أليسارُ، من هربت إليك من جور الطاغوت وبعضي زيتونة أسدلت جذورها في عشق بيروت!

سلامٌ يا تونسِ الخضراء…سلام يا زمردة البحر المتوسّط. يا مهد الحضارات ! سلام أهديك من سدرة الحب، من روشة بيروت.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *