العبث في الحياة الذي توهمناه قدراً !
العميد الركن صلاح جانبين
نرى في توازنات الحياة التعب كما نرى فيها الراحة، ونعرف الفرح كما نعرف الحزن، ونختبر الوهن والضعف كما نختبر القوة والصلابة. تتجاور الظلمة مع بصيص الضوء، ويتعايش الظلم مع حلم العدالة، ويظلّ الصبر آخر ما يتعلّق به الإنسان في مواجهة عبث القدر. تلك هي سنّة الحياة في كل مكان… لكن وللأسف قد اختلّت المعادلة في زماننا حتى صار الميزان لا يميل فقط، بل ينقلب رأسًا على عقب.
لا تُحكم الناس بالقانون بل بالقوة، ولا تُصان الحقوق بل تُستباح وفق حجم النفوذ واتساع المصلحة. في هذا الزمن الرديء، يصبح المدافع عن الحقّ إرهابيًا، ويُصنَّف صاحب الصوت الحرّ خطرًا على السلم الأهلي ، بينما يُرفَع المهاجم الظالم بطلاً، وتُمنَح العصابة لقب “حماة الوطن”. فالقويّ يُقدَّم ضعيفًا ليُشفق عليه الناس، والعصامي يُرمى بالجنون لأنه تجرّأ أن يشقّ طريقه خارج منظومات الولاء، والراعي يتحوّل ذئبًا ينهش القطيع، والذئب يُنصَّب راعيًا يُلقّن الناس معنى الأمان. كما أنَّ المجرم يصبح موجّهًا وفقيهًا، والعاقل يُحاكم كمتمرّد، وهكذا يتبدّل موقع كل الأشياء حتى يغدو الحقّ نكرة والباطل سيّد الساحة.
فالبطل يُصنَع من فاسد يخرج من دهاليز السلطة مُحصّنًا، مغسولًا من كل عيب، يُعاد تدويره كما يُعاد تدوير الخراب نفسه. يصفّقون له كأنّه المنقذ، فيما آثار فساده كجراحٍ مفتوحة على جسد البلد. أمّا المواطن الضعيف، الذي لا ظهر له ولا حزب ولا زعيم، فيُلاحق بتهمة بسيطة، ويُعاقَب على كلمة، ويُدان على تنهيدة. العدالة معه تصبح منظارًا دقيقًا، بينما مع غيره تُطفأ الأضواء ويُغلَق الباب.
ومع ذلك، يبقى في جسد العدالة قضاة يشكّلون استثناءً مشرّفًا؛ قضاة أقوياء بضمائرهم، ثابتون في أحكامهم، لا ترهبهم الضغوط ولا تشتريهم المناصب. هؤلاء هم الدليل الحيّ على أنّ العدالة ليست خرافة، وأن القانون يمكن أن ينهض إذا حمله من يستحقّ حمله. هم النور القليل الذي يجعل الناس تصدّق أنّ الحقّ وإن هُزم مرارًا، لن يموت.
لكنّ المشكلة ليست في غياب العدالة بل في انتقائيتها في الكثير من الأحيان . فهي تُحرَّك وفق هوية المتهم، وانتمائه، ورعاته السياسيين. يُحاسَب الضعيف بقسوة، بينما تُفتح للمحميّ أبواب النجاة بلا تردّد. بتنا نعرف نتيجة المحاكمة قبل أن تُعقد، ونعرف من سيُدان لا لأنه مذنب، بل لأنه بلا حصانة، ونعرف من سيُبرَّأ لا لأنه بريء، بل لأنه محروس بالسياسة.
والأخطر أنّ الناس أنفسهم، رغم التعب والقهر، يعودون لاتباع الزعيم نفسه الذي أخضعهم، وللظالم نفسه الذي صادر أرزاقهم، ولصاحب المال الذي يشتري الولاءات بفتات الحاجة. كأنّهم اعتادوا الظلم إلى درجة بات فيها يبدو “قدرًا”، وصار القمع يُبرَّر، والهيمنة تُشرَّع، والباطل يُسوَّق كضرورة لحماية الطائفة أو الأمن أو الاستقرار أو هذا وذاك.
وهكذا يستمرّ الفسادُ منظومةً محميّة لا تُمسّ، وتتحوّل الدولة إلى مسرحٍ لتمثيلية رديئة النصّ والأداء: القويّ معفى، الضعيف مُدان، والعدالة تُستحضر أو تُغيّب بحسب الرغبة. تُطبَّق عندما يريد القاضي النزيه، وتُجهض عندما يأمر المتنفّذ بذلك.
في النهاية، ما يحصل ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات خاطئة، وولاءات عمياء، وخوفٍ تراكم حتى صار أسلوب حياة. وبين هذا الخراب كلّه، يبقى الأمل بأن يستعيد المجتمع ميزانه المختلّ، وأن يُعاد وضع الفاسد في مكانه الطبيعي، وأن تُرفع العدالة إلى الموقع الذي تستحقّه… لتعود توازنات الحياة إلى معناها الحقيقي، لا إلى هذا العبث الذي اعتدناه حتى توهّمناه قدرًا.



