سجلوا عندكم

نجوى سليم الغزال… ألف تحية لصالونها الأدبي ملتقى أهل الفكر والمعرفة

Views: 957

زياد كاج                                            

    في عشقي للطبيعة وخضارها، أميل إلى حُب ّ السهل وإلفته أكثر من الجبل. وربما يعود ذلك الى تكوين شخصيتي،  منذ الوعي الأول، التي تستكين وتألف البساطة، والوسطية، والسهولة، والمكاشفة، والشفافية.

لذلك، أجد السهل – سهل البقاع،  والأوسط منه، منحة وعطاء كرم الطبيعة اللبنانية. سهل منبسط، مكشوف الأفق، مريح للناظر وللنفس، لا يطلب تكلفًا ومناوارات حياة المدينة. كل مرة، أجده مستلقياً، عارضاً جمالياته، حدائقه، وزركشته وبقعه الملونة، تحت الشمس، مطمئناً  ومحمياً بين الجبال. كم يشبهني هذا السهل؟ كم يسحرني؟ أطل عليه من فوق، من على الضهر، فأستنشق هواء عليلًا ناشفًا نقيًّا، أتمنى لو أغرف منه في عودتي الى بيروت، وأن أسرق أكبر كم  من  صور جمال طبيعة حرة، ثائرة، متمردة.

ناس السهل  يشبهونه، بكرمهم وترحابهم وصبرهم…صفات شربوها من مياه أنهارهم، وعشرة حقولهم، وحبهم للأرض والتراب، وطقسهم الذي لا يعترف  بالحلول الوسط. لذلك نبدو نحن سكان المدينة “غنوجين”، اعتدنا سهولة العيش والرفاه، مقارنة بهم. يبقى في البال، أن لا استغناء عن المدينة، وفيهم لبيروت طوق وتقدير، والعكس صحيح.

 

رغم خطورة الطريق – ضهر البيدر – لكثرة الحوادث بين السيارات والشاحنات بسبب توقف مشروع الأوتستراد العربي، ولرعونة وتهور بعض السائقين، يغامر الناس من السهل نزولاً وصعوداً الى المدينة لحاجات العمل والطبابة والعلم. هذا الشريان “الأبهر” الحيوي  بين الساحل وبيروت، وبين الداخل، وصولاً الى الشام وما بعدها، يستنجد حلاً جذرياً لوضع حد لمعاناة يومية لأهل البقاع…كل البقاع. فمن ينتظر “الدولة، كمن ينتظر “غودو” في مسرحية بيكيت العبثية!

 أحببت البقاع الأوسط، وذاك المثلث الجمالي – القاتل خلف السلسلة: شتورة، قب الياس، بر الياس، زحلة، وصولاً الى “الغربي”، حسب تعبير صديقتي الشاعرة والناشطة، نجوى سليم الغزال، التي دلّتني – كما تمسك معلمة المدرسة التلميذ بيده – وعرّفتني على سحر واسرار جمال البقاع في أمكنته الظاهرة والمخفية.

اكتشفت “بيت مقصود”، ونويهر يزلغط وسط الأشجار المعمرة وقرب مرجة حشيش، كأنه في “وشوشة وسلطنة”. واكتشفت مزار “الست”، وذاك الطريق الأجمل نحو “الغربي”، على طريق محمية، حيث تعلو وتتجاسر الأشجار العملاقة على الجانبين، كأنها حرس جمهوري للسهل وللعابرين. وكانت لي معها صداقات ومعارف من أهل الفكر والثقافة، جوهرتهم كان “مانديلا العرب”، الاستاذ عمر شبلي، وزينتهم الاستاذة اخلاص العمقي، صاحبة التجربة الطويلة في الصليب الأحمر اللبناني، وبعض أفراد العائلة. 

 في البقاع الأوسط أشجار عمرها بالتأكيد أطول من عمر البشر، ترميك بعظمة الخالق، فتسبّح ،وتغرق في بحر غير مرئي من تاريخ عتيق في هذه المنطقة. في المدينة، يرتد النظر عن الأبنية الشاهقة، في تلوث بيئي وصوتي مخيف. فيلجأ الناس الى البحر، الى الأماكن المغلقة، الى أماكن ومقاه حافظت على العرق الأخضر. في السهل، وسط الطبيعة، يرتد النظر اليك طاقة ايجابية، يرتد فرحاُ، راحة، تذكرك بعلاقتك العاطفية الأولى مع الطبيعة – الأم.

المدينة عقل…والريف قلب. في المدينة تقطيع لمفهوم الوقت، في الريف الوقت ينساب كسنابل القملح تميل مع كل هبة ريح.

صديقتي الصدوقة نجوى الغزال، المضيافة، والمحبة للحياة، وللناس…كل الناس، ولفنجان القهوة حتى الثمالة، والوطنجية بامتياز، نشاطة بيئية واجتماعية وثقافية، وتربوية، ومهتمة بالتنمية البشرية. نجوى تهتم بكل شيء، بكل جديد، بكل الناس، القريب والبعيد، شغوفة بتلاميذها وتلميذاتها…حتى تكاد تنسى نفسها. للعائلة في قلبها الحيز الأكبر. وعندما تصاب بالتعب، تتراجع وتنزوي، وتراجع دفتر حساباتها المليء بالأحلام والمشاريع. تغرق في فنجان قهوتها العميق أكثر مما يتصور البعض، تستسلم لضوء القمر، وغمز النجوم، تتقوقع، وتنام نوم السمك. 

   حضرت صالونها الأدبي “صالون العروة الثقافية”، الذي انطلق  في آذار 2023، لأول مرة في دار العائلة في بر الياس. دار جميلة، مميزة، حافظت على العراقة والتراث، ولا يستحي من المحافظة على كل قديم، فيغفو على البركة والأصالة وحديقة تزينها الأوراق المتساقطة الملونة. الأب، سليم الغزال، أشتغل وناضل وعمّر داره وربى عائلته كما يدوزن الموسيقي العود. منح أولاده مشعل العلم الذي حُرم منه. 

   أستضافت صديقتي  في صالونها الثقافي قامات فكرية وثقافية واعلامية: الشاعر عمر شبلي، العميد الدكتور محمد توفيق أبو علي، الدكتور أحمد رباح، الصحافي زياد عيتاني، الاستاذ بول شامي، الخبير في شؤون السلام، الدكتور أحمد نزال (أمين عام اتحاد الكتاب اللبنانيين)، والنائب في البرلمان الاسترالي دايفيد شوبريدج، والاستاذ فادي أبي علام، رئيس حزب الخضر، الفنان والموسيقي أحمد قعبور، والصحافي علي الأمين…والحبل على الجرار. ونشرت أكثر من مجموعة شعرية، ولها مساهمات ومقابلات على صفحات المجلات والمواقع الثقافية.

   يهدف “صالون العروة الثقافية”، حسب  نجوى، إلى  لقاء أهل الفكر والمعرفة والتباحث في  القضايا التي تهم الانسان والمواطن، والمساهمة في نشر الثقافة والوعي في وطننا الحبيب لبنان، ومن أهدافه التشبيك بين مختلف المنتديات والصالونات الثقافية والادبية بهدف التواصل المباشر وتبادل الأفكار.

   بناء على اتفاق مسبق، طلبت صديقتي نقل “لقاء السبتية” الذي نعقده أسبوعياً في “مقهى الروضة” في رأس بيروت، أنا وصديقي عبد الرحمن أياس ويوسف النعنع، اليافاوي الأصل، البيروتي العيش والهوى. صعدت أنا ويوسف في اليوم المحدد، واعتذر عبد لأسباب عائلية. زرنا صديقي المحب والحكيم، وجاري في بناية الأهل في زمن الحرب، الاستاذ محمد بكري، الذي استأنسنا بجلسته وحديثه في بيته في شتورة.

   في “صالون العروة الثقافية” في بر الياس، تحول اللقاء الى عائلي محصور، بعد اعتذار 3 اشخاص. محور الحديث كان حول تجارب الحياة، خاصة المهنية، لكل شخص. تحدث صديقي يوسف عن تجاربه، وكان نقاشاً حول الأحوال والثقافة ورفع الوعي الاجتماعي العام، وردم الهوة بين الجيل القديم والجديد الغارق في عالم “السوشال ميديا” والمبتعد عن المعرفة العميقة المتوفرة في الكتب. مصيبة الجفاء بين الكتاب الورقي وجيل الأنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي…مشكلة عويصة وجدية.

  جاء دوري، فتكلمت عن حادثة صادمة حصلت لي في مراهقتي في محل لبيع المجوهرات في الحمرا، جعلتني اكره الذهب والحلى وعالم المجوهرات والمظاهر. فعلاً، انقذت تلك الحادثة حياتي، وعلمتني أن “عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم”.

 

       كنت أود أن أحكي أكثر. الوقت داهمنا، والمطعم كان ينتظرنا على تلة في عنجر قرب مزار “النبي العزير”. ويبدو أنه لا يحب الانتظار! الكرم والضيافة كانا بقاعيين بامتياز وعلى لحن “يا هلا”… مع بسمات وضحكات بتنا نفتقدها في بيروت. فنحن سكان المدن حذرون في تعاملنا، نرتدي القفازات، وأحياناً الأقنعة…في السهل الصداقة والحب والترحاب والألفة أبرز  أشكال  الغزو الايجابي، كعاصفة كانونية من نار وبرد، تخلع شبابيك وأبواب القلوب…فتضيئها.

   كنت أود أن أقول أشياء وقصصًا كثيرة في صالون صديقتي الثقافي. الوقت عدو المثقفين (وأنا مثقف نجمتين وربع).

   كنت أود أن أقول إن أول مهنة اشتغلتها كانت بيع اللحم بعجين البارد على رصيف الروشة، وهي تجربة علمتني أن الزبائن لا يمكن غشهم. وانني بعت المناقيش بزعتر برفقة أبي على دراجته النارية. هو كان يلفها ويرش السمسم والخضار والنعناع، وأنا أحملها الى موظفي البنوك والشركات  والمصارف والى بائعات الهوى، المستلقيات في غرفهن في فنادق  الروشة. وأنني أشتغلت ببيع الجزادين النسائية في محل في الحمرا، واعطيت دروسًا خصوصية، وكان والد إحدى التلميذات  يضع مسدسه على الطاولة كرسالة، واشتغلت مع زحلاوي مهضوم يشبه “سانتا كلوز” ويبيع  الـ “فو بيجو” في محله باسم “لوميراكل (الأعجوبة). وكنت اريد أن أقول إنني عملت ناطور بناية محل ابي الذي كسر رجله  في حادث، و “أوفيس بوي” في جريدة “اوريون لوجور” الفرنسية في الحمرا مكان أخي، وفي محل لصنع وتحضير اكياس احذية “رد شو” في عائشة بكار، وو مساعد عامل كهرباء، وفي “صوت لبنان العربي”، وفي “صوت الشعب”، وفي مجلة “مونداي مورنينغ”، وفي مستشفى الجامعة الأميركية، وفي مكتباتها…وحتى اليوم لم أتصالح مع وظيفتي، ولا مع ما أقوم به لكسب العيش.

   الوظيفة عبودية العصر الحديث بشكل ملطّف. الوظيفة مقتل الاحلام.

كانت جلسة ترويقة  في مطعم “ديوان الوالي” على مرتفع في عنجر. وما نافس الحديث العفوي، الضحكات  وكرم الضيافة، سوى المنظر الجميل تحتنا لسهل عنجر المتنوع الألوان والمساحات.

      أتمنى لصديقتي نجوى  المزيد من النجاح والعطاء والمزيد من “التشبيك” الاجتماعي، الذي لا أبرع به، وتبرع هي به. وأتمنى لأهل السهل الأوسط و”لصالون العروة الثقافية” الأزدهار و”الباب المفتوح”… والطريق المفتوح والآمن.  

 

                                                    

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *