بين فرصتين أو تحية لطارق تميم
زياد كاج
تقدم الحياة للإنسان فرصًا كثيرة قد يختار بعضها، وقد لا يقدم على الاختيار ويكمل تجربته على مذهب “سيري عين الله ترعاك”. وربما، الأمور والفرص هي من صنع القدر أو الصدفة، فيعتقد الإنسان أن القرار قراره، ولو واهماً. تعمل عليه ظروف، وتنمي شخصيته، على سيمفونية من الجينات والخبرات، تدفعه الى سلوك طريق ما من الفرص. يبقى أن الخيار الأصعب يكون عادة بين فرصتين متاوزيتين في القيمة والتوقعات المستقبلية.
أيام المدرسة الابتدائية، ولاحقاً الثانوية في رأس بيروت، كانت الادارة تمنحنا فرصتين: فرصة الساعة العاشرة، وفرصة الساعة الثانية عشرة ظهراً. الأولى، وهي الأقصر، كانت “للترويقة”، والثانية كانت للغداء، والجامع بينهما جرس يقرع بقوة، يجبر المعلم على التوقف عن الشرح بسبب سرعة ردة فعل الطلاب وحركتهم، فيسود الهرج والمرج، وتعلو الأصوات، ويركض الجميع الى الملعب، حاملين السندويشات الملفوفة بأوراق المجلات، حيث الحرية والهواء النقي. كنا والادارة نطبق تجربة العالم الروسي “بافلوف” التي طبّقها على الكلاب!!
كان ذلك في زمن البراءة وقلة الوعي وعدم التفكير بالمصلحة الشخصية. كنا، كالأوراق البيضاء، يشتغل علينا الزمن، ويملي علينا صداقات ومغامرات من دون حسبان للعواقب والأخطار.
المراهقة حديقة ضحك للعمر العابس.

تدور عجلة الأيام والسنين، فنجد أنفسنا في وظيفة تمنحنا فرصتين: فرصة العاشرة وفرصة الثانية عشرة. وأيضاً، الأولى نسميها “كوفي بريك” (فرصة احتساء القهوة) ومدتها ربع ساعة، وفرصة الغداء ومدتها نصف ساعة. اختفى الجرس!! صرنا ناضجين ونعرف القانون جيداً وندرك مصالحنا. المخالفة قد تستدعي ملاحظات أو عقوبات. لا حاجة للتدخل اليومي من الادارة، لأن “بافلوف” قد دجننا منذ أيام المدرسة. هكذا، نُحرت المراهقة والأيام الوردية على مذبح المصالح والحاجة والبيروقراطية. ضريبة النضوج والعمر أن تتحول علاقتك مع الآخرين الى مصالح ووعي للقيمة المادية ، وصولاً الى “الغيبة والنميمة” على الطريقة اللبنانية.
الهدف من هذه المداخلة ليس التنظير الممجوج، بل تحية وتعبير عن الاعجاب للجار الذي عرفته مراهقاً في شارع الصنوبرة في رأس بيروت: طارق تميم.
هذا الممثل الخفيف الظل، المُبهر، والبعيد عن الكليشيهات و”تمسيح الجوخ”، اليسارى الهوى، والحقيقي… عرفته، كابن راس بيروت، تلميذاً متمرداً بسلام في “مدرسة الروضة”، بإدارة صاحبها الاستاذ قيصر حداد. لم يتمكن حداد ولا والد طارق من اقناعه بالإمساك بالكتاب بقوة وأخذ الدراسة على محمل الجد. أجواء الحرب الأهلية وسطوة الميليشيات كان لهما تأثيرهما علينا جميعاً.
كان أمام طارق تميم، الذي تعوّد على دخول الكنيسة والجامع في رأس بيروت، فرصتان: اما النجاح في “الروضة”، ذات المستوى التعليمي العالي والمتطلب، أو القبول بإدارة محل أبيه للأقمشة القريب من شجرة الصنوبرة. لكنه اختار طريق ثالث كان يؤمن به: دراسة التمثيل والمسرح في الجامعة اللبنانية الأميركية.
هناك، تعرف الى المسرحي زياد أبو عبسي، وكانت صداقة وأخوة وأعمال مسرحية ضمن الجدران الجامعية. استمر طارق تميم يراهن ويعمل بشغف على خشبة المسرح لمدة 10 سنوات. شاهدته مرة في مسرحية ليحيى جابر على خشبة مسرح “النادي الثقافي الروسي”. كان جابر في بداياته. هذا الشاب الرأس بيروتي، العلماني العنيد، حلم بالعمل مع زياد الرحباني، فكان له ما أراد. تقرب منه، لازمه، فكانت صداقة وشغل.
الشاشة الصغيرة هي التي عرّفت الجمهور العريض على طارق. أحببت دوره كرجل دين مسلم في برنامج لمحمد الدايخ الموهوب والواعد. وكان دوره في المسلسل الرمضاني “النار بالنار” ملفتاً، الى جانب القدير جورج خباز. واليوم، اتابعه في المسلسل الرمضاني “بالحرام” الذي يعرض على شاشة “أم تي في”.
أحبّ طارق تميم لأن في شخصيته العفوية والمتواضعة الكثير مني. يقبل بالدور بين أدوار، مزاجي، يرفض الكثير من العروض، وعندما يتعب من الحياة..ينعزل.
تحية اعجاب وتقدير ومحبة للممثل القدير، طارق تميم، الذي اختار فرصته وطريقه الخاص بين خيارين. كان ولا يزال جريئاً، ثابتاً، مدركاً لهدفه البعيد المنال، فيما كنت أنا أنتظر فرصة الساعة عشرة والثانية عشر. أهداني كتابه المدرسي الخاص بقواعد اللغة الإكليزية. يومها، وأمام مبنى “مدرسة الروضة”، استغربت اهماله واستهتاره وأنا أبن مدرسة رسمية.
كم كنت “بافلوفياً” مدجناً؟



