سجلوا عندكم

السُنَّة في لبنان على كُرسي متحرِّك

Views: 585

 زياد كاج

في لبنان يستحيل أن لا تعي نفسك محسوباً على ملة،  فالانتماء إلى طائفة من 18، يولد معك، يكبر، ينمو فيك وحولك، ويحيطك، ويدوس عليك بجزمة القانون والعرف والتقاليد، فإما أن تعيش مطمئناً، محمياً، وتنال نعمة ورغد العيش، وأما أن تغادر الدائرة، لتتحول الى فرد مهمش يلعن الساعة التي خُلق فيها في هذا البلد.

   وُلدت في الدائرة الاسلامية السنية، وكان وعيي الأول في رأس بيروت بين فردان وعائشة بكار والصنائع والحمرا. سمعت الآذان من جامع قريطم، واستمعت الى المفتي الشهيد حسن خالد خطيباً، وفهمت أن الصلاة تكون صفاً واحداً مرصوصاً عند أهل السنة والجماعة. وعشت أجواء شهر رمضان الكريم في بيت جدي وجدتي وأهل أبي، وأشعلت “الفرقيع” في عيد الفطر السعيد، وفهمت أن أبي كان لقبه “أبو رياض” قبل الزواج، لأنه أحب رياض الصلح، أول رئيس وزراء مسلم بعد الاستقلال. 

رياض الصلح

 

  أنا محسوب، ككثر غيري من العلمانيين المنفيين دون إبعاد، على ملّة “السنة والجماعة”. أفهم مبدأ الجماعة، لقد قرأت الكثير في كتب التاريخ حيث اكتشفت أن تسمية “السنة” بدأت تطفو على السنة العامة في العصر العباسي، وحديثا، احتلت العناوين والنشرات الاخبارية بعد سقوط النظام الصدامي في العراق. واكتشفت أننا عشنا أيام عز زمن السلطة العثمانية، من شواهدها حديقة الصنائع، حيث كنت في طفولتي  ألعب في مساحاتها، والسراي الحكومي ومعالم كثيرة وجوامع أثرية. نحن أتينا الى هذا البلد لنعيش على الساحل في مدن صارت عواصم. جيء بنا لحماية “الثغور”. مع تقلبات الزمن، تحولنا الى سكان مدن، ندمن  التجارة والانفتاح على الآخرين والعالم.

   في عالم السياسة وتقاسم السلطة في لبنان، أعطونا الكرسي الثالث، رغم أن شراكتنا بعد الاستقلال، أتت في المرتبة الثانية (شراكة بشارة الخوري ورياض الصلح). الكرسي الأول يبقى ثابتاً لست سنوات، الثاني لأربع، أما الثالث “فمتحرك”!! يتغير صاحبُه مع الظروف والأهواء والتوازنات السياسية والاقليمية والدولية بعد نيل لبنان استقلاله على “طبق من كريستال”. 

    كانت البداية مع رياض الصلح، صاحب الطربوش الأحمر العثملي، وشريكه في العروبة، الرئيس بشارة الخوري، صاحب القبعة الأوروبية.

كلاهما ارتديا البذلة الرسمية الأوروبية، وتظللا بالعربية ولغة “القاف”.

صائب سلام

 

اغتيل الرئيس الصلح بعد اعدام أنطون سعادة، الداعي الى سوريا الكبرى، على أثر فشل محاولة انقلاب. ثم توالى على كرسي رئاسة الوزراء شخصيات لها وزنها وحضورها، منها: عبد الحميد كرامي، سامي الصلح، حسين العويني،  عبد الله اليافي،  ناظم القادري، صائب سلام، رشيد كرامي، شفيق الوزان، تقي الدين الصلح، سليم الصلح، رفيق الحريري، سعد الحريري، تمام سلام،  عمر كرامي، حسان دياب، نجيب ميقاتي، ونواف سلام.

   الملفت أن مارونيين احتلا الكرسي الثالثة في ظروف استثنائية: اللواء فؤاد شهاب، والجنرال ميشال عون. أغتيل ثلاثة رؤساء وزراء: رياض الصلح، رشيد كرامي رفيق الحريري. وكاد الرئيس الحص أن يُقتل في متفجرة استهدفت موكبه في الروشة في عيد الفطر.

   منصب الكرسي الثالثة انشأ تحت الانتداب سنة 1926، وبعد ميثاق 1943، وعرفاً، صارت الكرسي حكراً على السنة. شُكلت في لبنان منذ الاستقلال 87 حكومة، بمعنى أنه جرى تسمية 87 رئيس وزراء منذ الاستقلال!!! رشيد كرامي حل الأول في جلوسه على الكرسي الثالث المتحرك، والرئيس السنيورة حل أولاً في الحكومة الأطول عمراً (4 سنوات)، والرئيس نور الدين الرافعي بقي جالساً على الكرسي 65 ساعة!! “ما لحّق سخّن الكرسي!!”

في حين استغرق تشكيل حكومتي عمر كرامي ونجيب ميقاتي 5 أيام، بينما انتظر تمام سلام 315 يوماً ليجلس على الكرسي الثالث. 

“كرسي” ثالث صعب، مهزوز، متحرك حسب اتجاه الرياح السياسية.

   في بطولات العالم الرياضية، ينال الفائز الأول، ميدالية ذهبية، والثاني الفضية، والثالث البرونزية. في لبنان، يجلس رئيس الجمهورية لست سنوات، ممكن أن تمدد حسب الظروف الاقليمية رغم عدم دستوريتها،  ويجلس رئيس مجلس النواب لفترة 4 سنوات من عمر المجلس النيابي المنتخب. وقد يتم اعادة انتخاب رئيس المجلس، حسب موازين سياسية محلية واقليمية، كما هو حاصل مع الرئيس الحالي. فصار المركز الثاني مثل المنقوشة المشروحة!! و”على عينك يا بابا”.

   عرفاُ في لبنان، رئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة مجلس النواب للشيعة، ورئاسة الحكومة للسنة ولو على كرسي متحرك. الكرسي هذا جلس عليه كبار، كرياض الصلح وصائب سلام وسليم الحص ورفيق الحريري. كل أعطاه من عنده ومن شخصيته. الصلح منحه سحر الحضور وجاذبية الشارع والثقل المسلم المطلوب للشراكة مع مسيحيي البلد. صائب سلام كان طاغي الحضور قبل وبعد ثورة 1958. رجل دولة حكيم، شجاع، ويفهم توازنات البلد، يدخن السيجار، يزين بذلته بقرنفلة بيضاء ويهوى لعبة النرد. الحص منحه صفة القداسة، الأودمة، ونظافة الكف، رغم معاناته مع الرئيس الياس سركيس بعد حرب السنتين. الرئيس الحص ظاهرة طاهرة في السياسة عندنا لا تتكرر. الرئيس الشهيد الحريري كان السوبر ستار، كان المرحلة، كان كرامة الكرسي وأهل الملة،  صار صاحب دور وطموح، فقرروا قتله. 

رفيق الحريري

 

أحدهم وصف الاغتيال “بالرزالة”، والبعض “بالزلزال”…وحرف “الزين” جمع بين التوصيفين.

في لبنان، لا تشغر الكراسي، خاصة الثالثة، الا قتلاً أو استقالة. كحالتي رشيد الصلح، وصائب سلام بعد عملية فردان التي اغتالت ثلاثة قادة للثورة الفلسطينية على يد عناصر كوموندس اسرائيلي.

   يقال إن أهل السنة والجماعة في لبنان هم الطائفة الوحيدة القادرة على العيش والاستمرار دون قائد، عكس الطوائف الأخرى. أشبهها “بجمل الصحراء”، صاحب الصبر الطويل، المعتاد على العواصف الرملية، سفينة الصحراء، يخزن الماء والطعام، واذا ما استشعر خطراً، يغمض عينيه، ولا ينسى الضيم. ملة كبيرة في البلد، وفي العالم العربي. لا تفكر بعقلية الأقلية.

   لم يكن الحكم في سوريا الى جانب هذه الملة طوال الحكم البعثي-العلوي الأقلوي. كان على السنة المهادنة، تلقي الصفعات الواحدة تلو الأخرى. بعد الهجوم الايراني الشره على المنطقة ، واغتيال الحريري، وتطييف العمل السياسي والاجتماعي والانساني في لبنان وسوريا، صار أهل الكرسي الثالث في وضع لا يحسدون عليه. 

    تغيرت الجارة سوريا. والجار قبل الدار.

 بعد حكم ديكتاتوري أقلوي دام  لأجيال، ودفع لبنان فواتير غالية من دماء وأموال، تحول الحكم الى أكثري وسط أقليات غير مرتاحة وقلقة. طالما جلب التغيير وسقوط أنظمة قمعية فوضى السلاح. شخصياً، أحب واستمتع بمشاهدة التماثيل تهوى في عالمنا العربي. وما نفع التماثيل؟ لأول مرة بعد عقود، مالت الكفة لمصلحة أصحاب الكرسي الثالثة. فهل من يلتقط الفرصة التاريخية؟ أو نتعلم من أخطاء غيرنا الذين أصابتهم حالة من القوة الفائضة والغرور، فاستعانوا بالخارج على أبناء بلدهم، الذين يشتركون معهم في الماء والتراب والسماء.

  أفق جديد يلمع امام الناس. فهل يتعلم اللبنانيون من ماضيهم وتجاربهم؟ ويبتعدون عن لعبة الظالم والمظلوم، عن لعبة الكراسي، والمزايدة على بعضهم بحب البلد، والشرف، وبامتلاك أسرار ومفاتيح السماء!!! 

Comments: 1

Your email address will not be published. Required fields are marked with *