سجلوا عندكم

جوزف عبد الأحد دارسًا فكرة الدّائرةِ وَمركزها والحضورِ والغيابِ سيميائيًّا ثقافيًّا وَنفسيًّا في “فرس الكِتاب” لنعيم تلحوق… شاعِر مُتعمِّق في التّجربة وباحِث عن المَعنى في الوجود

Views: 396

“الحُضورُ وَالغيابُ ومركزُ الدّائرةِ في “فَرَسُ الكِتابِ– الجزء الأوّل” لنعيم تَلحوق -دِراسةٌ سيميائيّةٌ ثقافيّةٌ وَنفسيّةٌ”، عنوان الرسالة التي ناقشها الباحث جوزف عبد الأحد، ونال على أثرها شهادة الماستر البَحثيّ، في اللّغةِ العربيّةِ وَآدابها، مسارٌ: لُغَوِيٌّ – لسانيٌّ.

جرت المناقشة  في كلّيّة  الآداب والعلوم الإنسانيّة – العمادة (الدكوانة)، أمام لجنة مناقشة مؤلّفة من: الدّكتور لُؤَي فُؤاد زَيتوني (مشرفًا)، د. الدّكتور رامِز يزبك (عضوًا)، الدّكتور رزق الله قسطنطين (عضوًا).

في ما يلي ملخص الرسالة .

 

د. لؤي زيتوني، جوزف عبد الأحد،  الشاعر نعيم تلحوق

 

تمحورَت هذهِ الرّسالةُ حولَ قضيّةِ الحضورِ والغيابِ؛ لذا انكبَّتْ على القراءةِ النّقديّةِ المُتأنّيةِ لخلفيّةِ الشّاعرِ الثّقافيّةِ والنّفسيّةِ، للتّعرُّفِ إلى شخصيّتِه، وَلُغتِه، وَتجربتِه في بَحثِها عن مَعنى الوجود؛ اِنطلاقًا مِن ذلك، اهتمّت الدّراسةُ هذهِ باكتشافِ فكرةٍ جديدةٍ، هي فكرةُ الدّائرةِ وَمركزُها في “فرس الكِتاب – الجزء الأوّل”، بعيدًا من التّقيّد بمفاهيم القصيدة العموديّة الكلاسيكيّة، أو النّثيرة الحديثة؛ بل اهتمامًا بالشّعريّة، وَخصوصيّتِها، وَطفولتِها.

عطفًا على ذلك، يمكنُ القولُ إنَّ لكلّ إنسانٍ دائرةً تخصُّهُ؛ فالطّفلُ على سبيل المثال، يتعلّمُ شكلَ الدّائرةِ في صفوفِ الرّوضةِ، لكنّهُ لا يدركُ في تلكَ المرحلةِ العمريّةِ، أنَّ الدّائرةَ ليسَتْ رَسْمًا هندسيًّا فقط، إنّما تحملُ إشاراتٍ تتمحورُ حولَها تساؤلاتٌ وجوديّةٌ؛ نَحْوَ: مَن أنا؟ لمَ خُلِقْتُ في هذا المكان والزّمان، وتحتَ كنفِ هذه العائلة تحديدًا؟ ليجدَ الطّفلُ لاحِقًا،في أثناءِ بلوغِه، أنَّ مركزًا موجودًا في دائرتِه، يستدعي طرحَ أسئلةٍ دائمةٍ؛ لذا فإنّني أبحثُ في فرس الكِتاب– الجزء الأوّل، عن مركز الدّائرة عندَ نعيم تلحوق، من خلال ثقافاتِ الحضورِوالغيابِ بينَ الأنا والآخَرِ، وَانعكاساتِها النّفسيّةِ.

بناءً على ذلكَ، خصّصْتُ الفصلَ الأوّلَ للدّراساتِ السّابِقة، المُتعلّقةِ بالمنهجِ السّيميائيّ والنّفسيّ، بالإضافةِ إلى ما قرأتُهُ مِن كُتُبٍ تخصُّ شِعرَ تلحوق وماضيه الثّقافيّ والنّفسيّ؛ فانطلقْتُ إلى الفصلِ الثّاني مُتناوِلًا التّقاطباتِ المكانيّةَ للحضورِ والغيابِ في فرس الكِتاب، وَمُركِّزًا على سيمياء الثّقافة عندَ يوري لوتمان، دارسًا الفضاء الدّاخليّ والخارجيّ، وفي ضوء المُستوَيينِ: النّحويّ والرّمزيّ. أمّا الفصل الثّالث فاهتمَّ بالتّأويل النّفسيّ للحضور والغياب، مُعتمِدًا إسهاماتِ شارل مورون لأكشفَ على المواقف الدّراميّة من خلال المُستوى النّحويّ، وصولًا إلى الشّخصيّة الأسطوريّة في ضوء المُستوى الرّمزيّ، وَلافِتًا النّظرَ في دراستي إلى العديد منَ الصّوَر البلاغيّة، الّتي أدَّتْ دورًا مُهمًّا، في البحثِ عن مركز دائرة فرَس الكتاب، وَمُقارنتِه بمركزِ الدّائرة في دراسة “سيزيف” لناديا كريت([1])

الكلمات المفاتيح: الحضور والغياب، مركز الدّائرة، سيمياء الثّقافة، التّقاطبات المكانيّة، الدّاخل والخارج،  التّأويل النّفسيّ، المواقف الدّراميّة، الشّخصيّة الأسطوريّة، المستوى النّحويّ والرّمزي.

مُقدِّمَة الرّسالَةِ:

يطرَحُ هذا البحثُ ثنائيّةَ الحُضورِ/الغِيابِ، وذلكَ في اتّجاهينِ اثنينِ: الأوّلُ متعلّقٌ بشكلِ القصيدةِ المُعتَمَدةِ ولغتِها، والآخرُ مُتعلِّقٌ بدلالاتِها؛ فالحضورُ الأوّليُّ المقصودُ هوَ البِناءُ، الّذي وُضِعَت فيه مادّةُ الدّراسة

 -فرس الكتاب-، وهوَ القصيدةُ النّثريّةُ، ثمّ كلماتُها الحاضِرةُ، والعلاقاتُ النّحويّةُ الّتي تحكمُها كالإسنادِ والتّعديةِ والإضافةِ والنّعت والتّقديمِ والتّأخير. أمّا الغيابُ فهوَ البُنى العميقةُ للمَعنى،المُعترِفةُ بحضورِ الشّاعرِ وانتمائِه إلى أمكنةٍ وَأشخاصٍ وَقضايا، أوغيابِه وَاغترابِه عَنها تمامًا.

يتوقّفُ النّاقِدُ الفرنسيُّ جورج بوليه في تحليله الرّمزيّ للدّائرة عندَ المقولة اللّاهوتيّة القديمة الآتية “الله كُرةٌ، مَركَزُها في كلّ مكان، وَدورَتُها في لا مَكان[2]“؛ أمّاثنائيّة الحضور/ الغياب في هذه الدّراسةفتتساءَلُ حولَ علاقتِها بالدّائرة، على اِعتبار أنَّ لكلّ إنسانٍ دائرةً، ثمّ تبحثُهذهِ الدّائرةُ عن وجودِها في فَرَس الكِتاب، حيثُ الحوارُ يدورُ بينَ طرفينِ هُما: الأنا وَالآخر. ولا بُدَّ منَ الذّكرِ أنَّ المركزَ الّذي اكتشَفَتْهُ دراسةُ ناديا كريت في كتابِها سيزيف لعبة الدّائرة،يشيرُ إلى مرحلتينِ أساسيّتينِ من حياةِ الشّاعرِ: “ذاتِه المتوحِّدة منذُ الوِلادة حتّى سنّ العاشِرة، وَذاتِه الطّباقيّة بعد سنّ العاشرة” (كريت، 2015، ص 13)؛ ما يشيرُ إلى أنَّ المركزَ هذا ينبثقُ من صراعٍ في ثالوثٍ نَفسيٍّ: الأنا وَيعرّفه فرويد بأنّه “الجهاز الّذي يتوسّطُ بين الدّوافِع والواقِع، ويعملُ وفق مبدأ الواقع” (فرويد، 2009، ص 32). وَالأنا الأعلى”يُمَثّل المعايير الأخلاقيّة والمُثل الدّاخليّة الّتي توجّه السّلوك” (ص 48).وَالهوَ”الجزء اللّاشعوريّ الغريزيّ الخاضِع لمبدإ اللّذّة دون مراعاة الواقع” (ص 15).

اِستنادًا إلى ما سبَق، ولأنَّ التّوحّديّة والطّباقيّة تتأثّرانِ بالطّفولة والعائلة والمُجتمَع؛ تنفتحُ هذه الدّراسةُ على مُستَويينِ: اجتماعيّ وَنفسيّ؛ لتجدَ الشّاعرَ حاضِرًا في مكانٍ، وَغائبًا في مكانٍ آخَر؛ ليكونَ الشّاعرُ في حُضورِه وَغيابِه ثنائيّاتٍ اجتماعيّةً وَثقافيّةً كالتّمرّد والقُبول، وَسيميائيّاتٍ نفسيّةً كالتّماهي والنّرجسيّة والرُّهاب.

لذلكَ، سأسعى إلى دراسةٍ جديدةٍ لشعرِ تلحوق، تُقارِبُ مركزَ شعرِهِ، في عشرةِ دواوين، بالمركزِ الّذي سأكتشِفُهُ في ديوانِه الحادي عشر فرس الكِتاب– الجزء الأوّل؛ مُنطلِقًا من قضيّةِ الحضور والغياب، الّتي سأُطَبِّقُ عليها السّيميائيّةَ الثّقافيّةَ من ناحيةٍ، وَالتّأويلَ النّفسيَّ من ناحيةٍ أخرى.

خاتِمة الرّسالةِ:

يمكنُ القولُ إنَّ دراسةَ الحضورِ والغيابِ في “فرس الكِتاب” سيميائيًّا ثقافيًّا وَنفسيًّا، كشفَت ما تأثّرَ به الشّاعر على المُستوى الثّقافيّ والاجتماعيّ والتّاريخيّ، وَتُرجِمَ مَعنويًّا في قصائدِه، وَتحديدًا في ديوانِه هذا الحادي عشر. وقد انطلقَتِ السّيميائيّاتُ الثّقافيّةُ مِن مُمثّلاتٍ وإشاراتٍ مُتنوّعةٍ؛ إذ أدَّتِ الظّواهرُ اللّغويّةُ، والرّموزُ المُتعدّدةُ دورًا بارزًا في التّعرّفِ إلى ثقافة فرس الكتاب في الحضور والغياب، ثمّ ترافقَت مع مُؤوِّلاتِ تأثيراتِها اللّاشعوريّة عندَ الشّاعِر، وَفي لاوعي النّصّ، عندما حضرَتِ المدلولاتُ النّفسيّةُ اللّغويّة والرّمزيّة، فبلغَت حدودَ المواقفِ الدّراميّة في الحضور والغياب، الّتي بتكرارِها وإلحاحِها في الاستعارات والتّشابيه، كوّنَت شخصيّةً أسطوريّةً هي تلحوق المُتعمِّق في التّجربة، والباحِث عن المَعنى في الوجود؛ وممّا بدا واضِحًا أنَّ النّتائجَ المدروسَةَ في الفصلِ الثّاني “التّقاطُبات المكانيّة للحضور والغياب” بالمُقابلة مع الفصل الثّالث “التّأويل النّفسيّ للحضور والغياب” أتت مُتشابِهةً؛ حيثُ إنَّ الفصلَ الثّاني أظهرَ ثقافات الانتماء والاغتراب والحُبّ والتّعاطُف وَغيرها، وَأحالَ إلى علامة الظّلال المُتكرِّرة في دراسة أماكِن الحضور والغياب، الّتي حضرَت فيها المرأةُ بالتّزامُنِ مع حضور أنا الشّاعر في ثقافاتهِا المُتنوِّعة.

لاسيّما أنَّ الفصل الثّالِث كشفَ مواقف الانمحاء والنّرجسيّة والتّعالي والتّمرّد وغيرها، وَأحالَ بشكلٍ واضحٍ إلى مرحلةِ الطّفولة، وَتأثير سُلطة الأب ونواهي الأمّ على مُستقبَل تلحوق التّمرّديّ، ورؤاه النّقديّة، الّتي شكّلَت مواقفَ الحضور والغياب عندَهُ، وبنَت انزياحَه عن التّقليد، ورغبتَهُ المُلحَّة في أن يكونَ مُتَّحِدًا مع المرأةِ، فجعلتْهُ عاشِقًا، ينتقلُ من (هوَ) ليصلَ إلى (هيَ)؛ لذا فإنَّ نتائجَ الفصلينِ الثّاني والثّالث، لم تكن مُنفصِلَةً من حيث الوحدة المُتكاملة لشخصيّة تلحوق بل مُتّسقةً وَمُركَّبةً؛ إذ استنتجتُ مِن خلالِهما مدى الاتّفاق بينَ ثقافة تلحوق واستجاباته النّفسيّة، الّتي أوضحَت بشكلٍ عام أنّهُ شاعرٌ مُتأثّرٌ وَمؤثّرٌ؛ فهو تأثّر بالأب والأمّ وَأثّرَ فيهما؛ لذا اِعترَفَ بالتّضحياتِ الّتي سيقدّمُها للمرأة، وَدعاها لتشاركَهُكَونَهُ، وهي تأثّرَت بحضورِه، وَناضلَت كي تبقى معهُ في صراع الوجود، تلبيةً لوفائه، وَلأنّهُ ابنَها المُعترِف بكيانِها الإنسانيّ والجغرافيّ والتّاريخيّ. غير أنَّ المركزَ (الظّلال والضّوء) الّذي تناوبتْهُ الثّقافاتُ المُتنوّعة والمُختلِفة في الفصل الثّاني، أشارَ -كما ذُكِرَ في مُحصّلة الفصل الثّاني- إلى رغبة الشّاعر في الانتقالِ إلى عالَمٍ آخَرَ تسكنُهُ المرأةُ.

أمّا المركز في الفصل الثّالث فأفصحَ عن طفولة تلحوق المُتأثّرة بالأمّ والأب، والرّاغبة أيضًا في التّمرّد على الخرافات، والمُناضلَة الدّائمة حتّى الاستشهاد، مِن دون الخوف منَ الموت، وصولًا إلى الانبعاث في العالَم الآخَر أيضًا؛ بناءً على ذلكَ، المركزَانِ في الفصلينِ الثّاني والثّالث مُركَّبانِ أيضًا، كالمَنهَج المُعتمَد تمامًا: الأوّلُ (مركز الظّلّ/  في دائرة هُنا) والآخَر (مركز الضّوء/ في دائرة هُناك). واللّافتُ أنّ فرسَ الكِتاب أظهرَ تجربة تلحوق الّتي نالَت فيها الأنثى نصيبًا كبيرًا، مُتّخِذةً أدوار الأمّ والحبيبة قناعًا يُبيّنُ تأثّر الابن بأمّه، واتّخاذها وجودًا يرافقُهُ في تنقّلِه بين الوعي واللّاوعي، بينَ العالم الأرضيّ، والعالَم الرّوحانيّ الصّوفيّ، حيثُ تُرافقُ الإله، وَتُعدُّ جُزءَهُ الآخَر، في سرديّةِ الشّاعر.

بناءً على ما سبق، تشيرُ نتائجُ الدّراسة إلى أنَّ مركز الدّائرة في “فرس الكتاب”، لم يتعارض مع دراسة كريت في “صخرة سيزيف”، إذ إنّها تمهيدٌ لفرس الكتاب، الّذي كشفَ حتّى الآن أنَّ هذه الصّخرة مازالت موجودةً مع تلحوق، وهي تزدادُ حجمًا مع الاسترجاع المُتأثّر بالوالِدَين ومرحلة الطّفولة قبل العاشرة. بالإضافة إلى أنّ هذهِ الصّخرة بقيت إلى ما بعد سنّ العاشِرة، والشّاعر في فرس الكتاب يبحثُ عن مُساعدٍ لهُ؛ لأنَّ التّعرّف إلى المرأة (الذّات، الحبيبة، الأمّ، الوطن، الأرض) قد حصلَ في الهُنا والهُناك، وَقد أكَّدَ الشّاعرُ من خلالِ حضورِ المرأة المُكثَّفِ رغبتَهُ في البقاء معها، وأنَّه يُضحِّي بصمتِه، وَيعترفُ بحبِّه، ويرسلُ ذبذباتٍ Electron إلى المُتلقّينَ ليساعدوه على إزاحةِ الصّخرة، كي يتخلّصَ وَ(هي) من الظّلال الآتية منَ الضّوء و(هوَ)؛ فيشبه بذلكَ الشّعراء الّذينَ رفضوا البكاءَ على الأطلال، وَامتطَوا أحصنتَهم، ليُحاربوا وَإيّاها الأعداءَ في ساحاتِ الوغى، والسّيوفُ تنهالُ عليهم من الجوانبِ كُلِّها.

 لكنَّ فرسَ تلحوق لا تموتُ، بل تتجدَّدُ، والدّمُ الّذي يتقطّرُ منها، يحملُ وَعدًا، وَحياةً يستمدُّ منها الكِتابُ انبعاثَهُ، ليكونَ لتلحوق استمرارٌ يشبهُ دوائرَهُ الّتي لا تنتهي؛ فهل سيأتي بشخصيّةٍ جديدةٍ، تُزيحُ صخرةَ سيزيف في دواوينه الآتية؟ وَهل العالَم الآخَر الّذي يسعى أن ينتقلَ إليه هوَ نفسُهُ المركزُ، الّذي يعيدُهُ إلى الطّفولة، لكن مع أبوينِ مُختلِفَين؟ أستكشفُ الفيزياءُ الّتي يعتمدُها تلحوق مراكزَ دائريّةً تشكّلُ سلسلةَ الأجزاءِ الآتية لفرس الكتاب؟

***

([1])ناديا كريت:مِن مواليد دكار – السّنغال، حاصلةٌ على دبلوم دراسات عليا في الأدب الفرنسيّ، أديبةٌ وَأستاذة آدابٍ لما يزيدُ عن خمسةٍ وثلاثينَ عامًا في التّعليم الرّسميّ والخاصّ، وعضوٌ في اِتّحاد الكُتّاب اللّبنانيّينَ. مِن مُؤلّفاتِها: الإبداع في الشّعر- سمفونيا الشّعر – الإبداع في الموسيقى – أنتولوجيا الشّعر العربيّ – السَّلاحِف.

[2]راجع كتاب جورج بوليه:

Dieu est une sphère dont le centre est partout et la circonférence nulle part” (Poulet, 1961, p. i)”

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *