سجلوا عندكم

هلِ العربية لغة الضّاد أم لغة حرفٍ آخر

Views: 923

د. رفيق أبو غوش

   غلب على اللغة العربية أنها عُرفت بلغة الضّاد، ودرج الأساتذة والدّارسون على استساغة هذه الفكرة والإيمانِ بها. إلا أن التدقيق في بطون أمهات الكتب يكشف أن كثيرين من علماء اللغة الأوائل، فضَّلوا حرفاً آخر على الضاد، وعدّوه مزيةَ تلك اللغة. ومن أوّلِّ هؤلاء الخليل بن أحمد الفراهيدي واضعُ كتاب “العين”، وهو أوّلُ من قال بأن صوت الضاد ليس مختصًّا بالعربية وحدها، إنّما تشتركُ لغاتٌ أخرى قديمة فيه، وإن له نظائر في لغاتٍ أخرى مثل الأمهريّة والأوغاريتيّة والسّريانية والأكاديّة وبعض اللغات الأفريقيّة، وقد ورد هذا التّأكيد في مقدّمة كتاب العين إذ قال:” وليسَ في شيء من الألسن ظاء غير العربيّة. والظاء عربية لم تُعطَ أحدًا من العجم، وسائر الحروف اشتركوا فيها”. وهي بمخرجها اللثّويّ المفخّم أندر وجودًا في لغات العالم من الضّاد. وقد أوضح أبو عمرو الداني القرطبي أحد أبرز علماء اللغة قائلاً: “أجمع علماء اللغة على أن العرب خُصّت بحرف الظاء دون سائر الأمم، ولم يتكلّم بها غيرهم”. 

  وقطع أقدم قواميس اللغة العربية الشّك باليقين بأن الحرف الذي خُصّت به العرب، دون سائر الأمم هو حرف الظاء على الرّغم من الحديث المنقول عن الرسول الأكرم عن حرف الضّاد (أنا أول من نطق بالضّاد، بيد أني من قريش)، الذي رفضهُ إبن كثير في تفسيره، وعدّهُ منحولاً وغير صحيح ولا أصلَ له، وهو حديثٌ ضعيف. ثم يقول في مكانٍ آخر بصعوبة حرف الظاء، وهو من مقاتل الفصاحة. فالظاء عنده هو رابع أربعة أحرف يُكرهُ استعمالها، وبها تُقتلُ الفصاحة، وهي الخاء والصّاد والعين والظّاء. ويضيف إبن دريد إلى ذلك فيقول: “حرفان مُختصٌّ بهما العرب هما الحاء والظّاء” ولم يقُل الضّاد. وجعلهما في باب الانفراد المطلق، وأيّدهُ في ذلك القلقشندي في ” صبح الأعشى في صناعة الإنشاء”.

   ولفت في هذا السياق ورود الضّاد في معجم لسان العرب حرفاً خُصَّت به اللغة العربية، ودليلهُ في ذلك بيتٌ شعري لأبي الطيب المتنبّي يُورد فيه الكلمة للتأكيد على أن الضاد للعرب خاصة، وهذا البيت يقول فيه: 

لا بقومي شُرّفتُ بل شُرّفوا بي                     وبنفسـي فخرتُ لا بجدودي 

وبهم فخرُ مَن نطق الضّــــــاد                     وعودُ الجاني وغوثُ الطّريدِ

   فهل يكون شعر المتنبّي سراجًا ودليلاً على غلبة الضّاد!؟ أو لأن صوت الشّعر أقوى من صرامة المعاجم!؟ أم لمكانة المتنبّي الشّعرية والقوميّة عند جمهرة العرب!؟

   والضّاد القديمة التي ذكرها سيبويه كانت تخرج من الحلق كحرفٍ جانبي احتكاكي شديد الصّعوبة، وهو نطق اندثر جانبيًّا ليحل محلّه صوتٌ انفجاريّ يشبه الدّال المفخّمة، مما أفقدها بعض حصانتها اللغويّة أمام اللغات الأخرى.

  وينقل ابن فارس في “الصاحبي” أن “لغة العرب اختصت بالحاء والظاء”. أمّا بخصوص حرف الضاد، فيقول: “وزعمَ أناسٌ أن الضاد مقصورة على العرب دون سائر الأمم”. لكنّه أورد الضاد مقصورة على العرب، بخانة الزَّعم، كما يتضح في الاقتباس السالف، وهذا احتمالٌ ضعيف.

   وعلى طريقة “لسان العرب” التي أوردت الظاء والضاد، حرفين خصت بهما اللغة العربية، نرى الأمر ذاته في “القاموس المحيط” للفيروز أبادي الذي يقول عن الضاد إنه حرف هجاء للعرب خاصة. وعندما يتحدث عن الظاء يقول إنه حرف خاص باللسان العربيّ. 

   بدوره، فإن “تاج العروس،” وهو من أضخم  المعاجم العربية أوردُ حرف الظاء. ويؤكّد كلام الفراهيدي، فيعرّفه بأنه حرفٌ عربي خُصّ به العرب لا يشركهم فيه أحدٌ من سائر الأمم. إلا أنّهُ  لصعوبة مخارجه، وعدم مجانسته الحروف اللينة في العربيّة إيقاعًا ونظمًا يكاد لا يُذكرُ إلا لمامًا، وهو من الحروف الممجوجة في السّمَع، وتكاد أن تخلو منه الكلمات التي تتألف من أربعة حروفٍ أو أكثر وذلك لتجنّب ثقل الجذر. وها بعض الأمثلة عن الكلمات التي أُهملتْ لكراهتها ولوجود بدائلَ عنها كالكعيظ (الضخم)، والجعظري (النّهِمْ)، والعنظب (الجراد الكبير)، وغيرها.

   وإذا كانت اللغات السّاميّة تشتمل على إثنين وعشرين حرفًا صامتًا، فإن العربية تشتمل على ثمانية وعشرين حرفًا بإضافة الأصوات (ثخذ، ضظغ،) لتكون أوفر السّاميّات حظًّا في عدد الحروف. وهذه الحروف كانت موجودة في بعض السّاميّات، لكنّها فُقدت بالتدريج لعدم استعمالها، في حين أن العربية بقيت محافظة عليها في نطاقها الكتابيّ والصّوتيّ وذلك ربّما لأنّها قرشيّة.

   وما يؤكّد شراكتها مع لغاتٍ اخرى أن الضّاد تقابل العين في الاراميّة، وتقابل الصّاد في العبرانيّة، والسّين في الأكاديّة، والغين في السّريانيّة، واليوم تُلفظ الضاد ز عند معظم الناطقين بالعربيّة. وحتّى الظّاء تتحوّلُ إلى ز في اللفظ، فحافظ تُلفِظ حافز، وظاهرة تُلفظ زاهرة، واللسان يكاد يندلق نزولاً في أكثر الحروف كالثّاءالتي تصبحُ سينًا، والذال التي تُلفظ ز، والقاف التي تصبح آفًا أو كافًا، وقس على ذلك.

  وهذا ينقلنا إلى ضرورة ترشيق هذه اللغة، واطّراح الغريب والمستكره والحوشيّ منها والإبقاء على اللغة الحيّة التي تواكب وتتجدّد وتستجيب كلّما استُعمِلتْ وطُلبت للتعبير في شتّى مناحي الحياة. ثم التخفّف من صرامةِ النحو والقواعد والتباينات الكثيرة ما بين المدارس النّحويّة العربيّة. 

    وعليه فقد تكون الضّاد هويّة اللسان العربي بالعرف والتّقليد والذّائقة، ولغة الظّاء بالتّميّز الصوتي والتفخيم اللغوي، وهذا استنتاجٌ قابلٌ للنّقاش والتّأكيد.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *