مئوية الشيخ الشهيد صبحي الصالح ١٩٢٦-١٩٨٦ وأربعون سنة على وفاته
سليمان بختي
قبل وفاته بأيام القى الشيخ صبحي الصالح خطبة جمعة في مسجد راشد الحوري الملحق بجامعة بيروت العربية.
كانت خطبة جريئة توقف فيها عند معاناة الشعب اللبناني في كل المناطق لا سيما بيروت الغربية وما تشهده من فوضى مسلحة وتعديات وسرقات واحتلالات واعتيالات محملاً المسؤولية للنظام والقيادات التي تحمي العناصر غير المنضبطة.
هل جاءته تهديدات على مواقفه تلك ولم يأبه لها ؟وكيف تجرأوا على اغتياله.
كتب يومها الشيخ طه الصابونجي: ” كيف لهم ان يغتالوه فيما هو راسخ شامخ في بنيان علمه”.
ولكنهم فعلوها.

وفي صباح ٧ تشرين الاول ١٩٨٦ عمد مسلحان على دراجة نارية في منطقة ساقية الجنزير، راس بيروت الى اطلاق ثلاث رصاصات قاتلة على راسه لدى نزوله من السيارة. وكان في زيارة الى مقر الجمعية الخيرية لرعاية اطفال المسلمين في لبنان.
ولد صبحي ابراهيم الصالح في العام ١٩٢٦ في المينا، طرابلس من عائلة عميقة التدين ومن جذور تركية.
تلقى دروسه الاولى في المدارس الابتدائية في المينا.وتابع دراسته الثانوية في كلية التربية والتعليم الإسلامية.
تعمم وهو ابن اثنتي عشرة سنة وراح يعتلي المنابر خطيبا.
انتسب الى كلية أصول الدين في الازهر الشريف ١٩٤٣ وحصل على الشهادة العالمية ١٩٤٩.
انتسب في الفترة نفسها ١٩٤٧ إلى كلية الآداب في القاهرة ونال الإجازة في العام ١٩٥٠.
خلال إقامته في مصر غرف من حصادها الثقافي ومن حصاد العالم. وارتاد الأندية والمجالس الادبية. كما اعتلى منابر القاهرة خطيبا مثيرا للاعجاب.
التحق بجامعة السوربون في باريس ونال الدكتوراه في الادب عام ١٩٥٤ وكانت اطروحته “الدار الآخرة في القران الكريم والإسلام وتحديات العصر”.
خلال إقامته في فرنسا نشط محاورا اسلاميا وانشأ لأول مرة مركزا اسلاميا في باريس مع الدكتور حميدالله الحيدر ابادي. كما علم العربية للافارقة المقيمين في باريس.
علم في جامعات بغداد ١٩٥٤-١٩٥٦ ودمشق ١٩٥٦ -١٩٦٣ والأردن ١٩٧١-١٩٧٣ وفي الجامعة اللبنانية منذ ١٩٦٤ حتى وفاته. وانتخب فيها رئيسا لقسم اللغة العربية وإدابها ١٩٧٠ ومديرا لها ١٩٧٧ واستاذ كرسي الاسلاميات فيها. عدا محاضراته في جامعة الرياض وكلية الزيتونة. وإشرافه على العديد من الرسائل واطروحات الدكتوراه في لبنان وفرنسا.
نال جائزة التفكير الاجتهادي الإسلامية من منظمة الكسو التي كرمته في ٢٣ حزيران ١٩٨٦. وتراس المجلس الشرعي الإسلامي في لبنان، وكان امينا عاما لرابطة علماء لبنان. وعضو اكاديمية المغرب.
ترك الشيخ صبحي الصالح اكثر من عشرين مؤلفا بين تأليف وتحقيق وشرح وترجمة.وكان يتقن الفرنسية والانكليزية والإيطالية.

له في العلوم الشرعية “مباحث في علم القرآن” ١٩٥٨ في عدة طبعات.
وعلوم الحديث و”دراسات في فقه اللغة” ١٩٧٠ في عدة طبعات و”علوم الحديث ومصطلحه” ١٩٥٩ في عدة طبعات. “منهل الواردين في شرح رياض الصالحين” ١٩٧٠. “النظم الإسلامية نشأتها وتطورها ” ١٩٦٠ في عدة طبعات. “معالم الشريعة الإسلامية” ١٩٧٥ و”المرأة في الاسلام” ١٩٨٠ “الاسلام ومستقبل الحضارة” ١٩٨٢ “رد الاسلام على تحديات عصرنا” بالفرنسية والعربية ١٩٧٩ و”الإسلام والمجتمع العصري ” ١٩٨٣ و”نثر اللآلئ في ترجمة ابي المعالي” .
كما حقق وقدم “نهج البلاغة”. وشرح الشروط العمرية من كتاب “احكام اهل الذمة” ١٩٦١. وهو كان حقق “كتاب احكام اهل الذمة لابن قيم الجوزية” ١٩٧١.
وكان القى مجموعة محاضرات في المغرب:”الضمير الديني والتسارع التكنولوجي والحضاري” ١٩٧٤ و”الحرية ومفهومها الأيماني في الاسلام” ١٩٧٥ و”الوعي الكوني في التصور الإسلامي” ١٩٨٣.

كما اصدر مع سهيل ادريس” المعجم العربي” و”المعجم الفرنسي “. وهناك مخطوطة لم تنشر بعد بحسب الدكتور مصطفى الحلوة بعنوان “الامة ومدنية السلطة في الاسلام”.
وفي كل ما كتب كان لصبحي الصالح توجهات اجتهادية إصلاحية كمثل دعوته لاطلاق الاجتهاد مع التنسيق بين روح الشريعة والعمل لإيجاد حلول لمعضلات الحياة المعاصرة.
وفي كتابه “علوم الحديث ومصطلحه” صحح الشيخ الاخطاء التي وقع فيها المستشرقون.
اما كتابه” دراسات في فقه اللغة ” فنراه يختم “في مراة هذا الكتاب رأينا لغة العرب مرنة مطواعة لها خصائصها في الاشتقاق، ومزاياها في التوليد، واسرارها في الصياغة، وطرائقها في التعبير،ما يفيد بترجمة روائع الفكر ومبتكرات العلم، وبدائع الفن وما يلبي مطالب الحياة والإحياء، وفي النفس والافاق”.
دعا الشيخ الى تطوير اللغة العربية من خلال تكوين لجنة جامعية لتيسير اللغة العربية ودعا الجامعات الى إعتماد المصطلح العلمي الادق والسعي الى انشاء مجمع عربي لغوي وعلمي.

كان الشيخ صبحي الصالح متفاعلا مع قضايا عصره مثل قضية حقوق الانسان وقضية المرأة والإسلام بين الاشتراكية والراسمالية والإسلام والاخر. وبرأي جريء قال “علينا ان نكف عن الاعتقاد بان نظام الخلافة هذا النظام التاريخي الذي لم يقم الا على الاجماع هو شكل الحكم الوحيد في ظل الاسلام “.
وهو ناشد المسلمين شيعة وسنة وسواهما للانضواء تحت راية التوحيد.
لا ازال اذكر وقفته على درج دار الفتوى عام ١٩٧٦ خلف المفتي حسن خالد والامام موسى الصدر وشيخ العقل محمد ابو شقرا وكان يبتسم ابتسامة رابح الرهان.
ودعا كذلك الى تفعيل الحوار بين المسيحية والإسلام.ومن خلال انفتاحه على هذا الحوار ترجم الشيخ نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني والذي انعقد عامي ١٩٦٢و١٩٦٥ والمتعلق بالحوار الإسلامي المسيحي. وعلق على الترجمة في محاضرته في الندوة اللبنانية حزيران ١٩٦٥ مختتما سلسلة الحوار الإسلامي المسيحي.
نشر الشيخ العديد من المقالات في مجلة الرسالة المصرية لصاحبها احمد حسن الزيات الذي التقاه في مصر وقال له:”لو تفرغت للادب، فستكون في الصفوف الاولى من ادباء العرب”. وذلك بعد ان قرا ترجمته لقصيدة “البحيرة” للامارتين. وبذلك يقول المطران جورج خضر:”جاءت لغة الدكتور صبحي الصالح على متانة مذهلة، لا تقصي السلاسة، التي تقناها في التعبير العربي في عصر النهضة”.

لا ازال اذكر كيف خرج نعش الشيخ صبحي الصالح من مستشفى الجامعة الاميركية في بيروت وقد وضعت فوقه عمامته الملطخة بالدماء وكأنها تتهم وتقول تعالوا تفرجوا على الامة التي تقتل علماءها. اقيمت له جنازة حاشدة ووري الثرى في مدافن العائلة في المينا، طرابلس.
يومها كتب المطران جورج خضر في الصفحة الاولى من جريدة النهار:”الدكتور صبحي الصالح تنزل عليه من ربه كرم كثير، فانتمى، ليس فقط الى العلم، ولكن الى النعمة والذكر والتطهر…كان في الرجل قبس من نور، ذلك الذي هو نور السماوات والارض، وحذار ان قرات ما وضع ان تنسى القلب الذي يحييه ويجعله قامة روحية”.



