“ناس من راس بيروت” (حكايات قصيرة) لسمير صنبر في طبعة ثانية عن “دار نلسن”
صدرت عن “دار تلسن” في بيروت الطبعة الثانية من كتاب “ناس من راس بيروت” (حكايات قصيرة) لسمير صنبر، لوحة الغلاف للفنان أسامه بعلبكي. صدرت الطبعة الأولى عام 1975 عن دار النهار. في ما يلي مقدمة الطبعة الثانية بفلم المؤلف، وكلمة للصحافي والكاتب ميشال أبو جوده في الطبعة الأولى بعنوان “قلب من راس بيروت”.
في البدء، من راس بيروت، انطلقت الكلمة، وستبقى.
رأس بيروت الذهبية كانت شمس الأصيل في عالم يغرب، كنا نحلم ونكتب. من المكتب او البيت والمقهى، في الصحف او على الحائط والرصيف. نلتقي حول فنجان قهوة في مقهى فيصل او على سندويش من عند البخعازي، مع أنغام الأنكل السام وعصير البرتقال المنعش في الهورس شو. نناقش ونتصارح وأحياناً نتصارخ، ثم نلتقي على مائدة واحدة.
اول حفلة أقامتها المبدعة فيروز كانت في رأس بيروت. رحبتُ بها في قاعة وست هول، في الجامعة الأميركية في بيروت، بإسم الطلاب بعبارة واحدة: “الوردة تقدم نفسها”. أقامت فترة في الروشة مقابل الصخرة التي كأنها وجه بحّار قديم. ثم سعدت باستقبال سفيرتنا الى النجوم في مقر الدبلوماسية الدولية في الأمم المتحدة.
أول قصيدة، أول ديوان شعر للمبدع الدمشقي الشاعر نزار قباني كانت من رأس بيروت. كان يهمس كلمات “خبر وحشيش وقمر” وهو يراقب “العقائديين”، من نافذة المقهى القريب.
بهو فندق “الكومودور” جمع معظم المراسلين الدوليين، دار “النهار” في الحمراء استضافت مكاتب وكالات الأنباء، التي بدأ العمل فيها عدد من أشهر المعلّقين مثل توماس فريدمان في نيويورك تايمز، دافيد اغناطيوس في الواشنطن بوست، وروبرت فيسك في لندن تايمز.
أشهر كاتب وروائي في مصر الأستاذ احسان عبدالقدوس، رئيس تحرير مجلة “روز اليوسف” كان يتطلّع الى استراحة هادئة في فندق هادن قرب الحمام العسكري. الفنان صلاح جاهين الذي نظّم “والله زمان يا سلاحي”، نشيد مصر الوطني، كان يستمتع بالوقوف في سيارة مكشوفة لكي “يحيّي الجماهير” في “مقهى الدولشي فيتا” في الروشة. عدد من رؤساء الوزراء كانوا يلتقون بدعوة من الأستاذ تقي الدين الصلح في مقهى “دبيبو” المطلّ على البحر. في مسبح “السبورتينغ” هناك أنعشت عائلة “أبو نصار” مختلف أطياف المجتمع المدني واستقبلت أجمل مضيفات شركات الطيران الدولية.
بيتنا في المنارة كان على الشارع المطل على مقهى المختار أبو العبد العيتاني عند اول خط الترام. كنا نهتف مع الفنان عمر الزعني، “من المنارة للحرش مش راح ندفع غير قرش”.
عندما عدت بعد سنوات مع الأمم المتحدة لاستلام مركز الاعلام في بيروت، اخترت المكاتب في المنارة، بدل المقر الدولي في منطقة بئر حسن قرب المطار.
وعندما انتشرت محاولات تكسيره و”تسكير” بيروت شعرت ان الهدف أيضاً هو “تسكيت” بيروت، ساهمتُ في إطلاق اليوم العالمي لحرية الصحافة وحاولتُ عقد أول مؤتمر إقليمي ودولي في بيروت، وعندما رفضت حكومة تلك الأيام الأمر، بدافع سياسي – أو كيدي – نقلنا اللقاء الى صنعاء – اليمن والتقى معنا هناك الصديق الزميل الشهيد جبران غسان التويني خلال حروب الآخرين في لبنان.
في البدء، من رأس بيروت، انطلقت الكلمة. وستبقى.
***
قلب من راس بيروت
اذا كنت تعرف سمير صنبر اللبناني الفلسطيني العربي الدولي فأنت لا تعرف سمير صنبر.
*
سمير صنبر الحقيقي هو سمير صنبر البيروتي بل الرأس بيروتي، وهو ابن حبيب صنبر قنصل لبنان الفخري في حيفا قبل سنة 1948.
*
سمير صنبر تخرّج من الجامعة الاميركية ومن مطعم فيصل. ومع ذلك تخاله كأنه هو الذي مع منح الصلح أسّس الجامعة الاميركية. وكأنه هو الذي مع احمد شومان أسس مسبح السبورتنغ. وكأنه هو مع اولاد أبو طالب أسسوا شارع السادات.
*
سمير صنبر صحافي نشر في جميع الصحف والمجلات وراسل مجلة “روز اليوسف” المصرية واصبح موظفاً دولياً في الأمم المتحدة، واقام في جنيف وخصوصاً في نيويورك عشر سنين بين 1965 و1975. ولأنه ظلّ صحافياً وبقي في كل اجازاته السنوية بيرونياً بل رأس بيروتي لم يجدوا في نيويورك غير سمير صنبر الرأس بيروتي الشخص المناسب في المكان المناسب، كمدير عام لمركز الأمم المتحدة للإعلام في بيروت والذي يغطي المنطقة العربية كي لا نقول في رأس بيروت التي تغطي المنطقة العربية.
سمير صنبر لم يستقر طويلا في بيروت حتى لحقت به القبعات الزرق إلى جنوب لبنان. فإذا كنت تريده أنصب له حاجزاً بين رأس بيروت والناقورة فستقبض عليه إما في الذهاب أو في الإياب، وإذا كنت تريد أن تقرأه، أن تقراً رأس بيروتياته، فهو هنا بثمن زهيد داخل هذا الكتاب، أو هدية منا ومنه إذا شئت.
*
تعالوا نسافر في رأس بيروت، بل في كل بيروت، مع سمير صنبر ومع الناس الذين عاشوا في بيروت وعاش هو معهم قبل أن يصبح عالمنا اللبناني والعربي والدولي محصوراً في دولة رأس بيروت الممتازة.
ميشال أبو جوده



