قوة الدول بين ما تملك وما تُقدّم
العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين
تُقاس قوة الدول والأمم غالبًا بما تملكه من ثروات طبيعية، وإمكانات اقتصادية، وتطور عسكري وتكنولوجي. غير أن هذه المعايير، على أهميتها، لا تمثل الصورة الكاملة لمعنى القوة الحقيقية. فالتاريخ يعلمنا أن قوة الأمم لا تُبنى فقط بما تملكه، بل أيضًا بما تقدمه من تضحيات في سبيل الحفاظ على كرامتها وسيادتها وقيمها.
لقد شهد العالم أمثلة عديدة لدول كبرى امتلكت أحدث الأسلحة وأضخم الاقتصادات، مثل الولايات المتحدة وروسيا، ودول أخرى صعدت بقوتها الاقتصادية كالصين. لكن في المقابل، نجد دولًا أقل إمكانات مادية استطاعت أن تفرض احترامها على الساحة الدولية بفضل وحدة شعبها وتمسكه بقيمه واستعداده للتضحية من أجل وطنه وعزة أبنائه .
إن الدفاع عن الأوطان لا يتحقق فقط بامتلاك القوة العسكرية، بل يبدأ من الداخل، من وحدة أبناء الوطن وتماسكهم، لا بانقساماتهم واختلافاتهم. فالانقسام الداخلي يضعف الدولة مهما بلغت قوتها، بينما التكاتف والتوافق يمنحها قوة معنوية هائلة. وعندما يلتف المواطنون حول مبادئ مشتركة، ويضعون مصلحة الوطن فوق المصالح الفردية، يصبحون درعًا حقيقيًا يحمي بلادهم من الأخطار.
يأتي الجيش في مقدمة المؤسسات التي تضطلع بمسؤولية حماية الوطن وصون أمنه والدفاع عن ارضه. فوظيفته الأساسية هي الدفاع عن حدود الدولة ضد الأخطار الخارجية، وحماية الشعب من أي تهديد يمس استقراره وأمنه. كما يساهم في دعم الاستقرار الداخلي عند الضرورة، من خلال الحفاظ على النظام وحماية مؤسسات الدولة. ويقدم أفراد الجيش تضحيات جسيمة، قد تصل إلى بذل أرواحهم في سبيل أن يعيش المواطن آمنًا مطمئنًا. وهذه التضحيات لا تعبر فقط عن قوة عسكرية، بل عن التزام أخلاقي عميق تجاه الوطن والشعب.
ومع ذلك، فإن قوة الجيش الحقيقية لا تكتمل إلا بدعم شعبه ووحدتهم خلفه، فالعلاقة بين الشعب والجيش علاقة تكاملية وثقة تبادلية. فحين يكون الجيش منبثقًا من أبناء الوطن ومعبّرًا عن إرادته، تصبح قوته جزءًا من قوة المجتمع بأسره.
ولا يُشترط أن تكون الدولة من القوى العظمى حتى تدافع عن نفسها وتحمي مصالحها. فالقوة الحقيقية تكمن في امتلاك مبادئ راسخة، وقيم أخلاقية واضحة، وإرادة صلبة تصمد أمام التحديات، مهما بلغت.
إن الإيمان بعدالة القضية، والالتزام بالحق، والصبر في مواجهة الضغوط، كلها عناصر تصنع أمة قوية حتى وإن كانت محدودة الموارد.
ومن جهةٍ أخرى، فإن الدفاع عن الوطن لا يعني الانعزال عن العالم أو تجاهل مصالح الشعوب الأخرى. فالعلاقات الدولية تقوم على التعاون المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة. ولا يمكن لأي دولة أن تعيش بمعزل عن غيرها في عالم مترابط اقتصاديًا وسياسيًا. لذلك، فإن الحكمة تقتضي تحقيق التوازن بين حماية المصالح الوطنية وبناء علاقات قائمة على الاحترام والتفاهم والتعاون.
بالخلاصة، فإن قوة الأمم ليست مجرد أرقام في ميزانيات أو ترسانات عسكرية، بل هي منظومة متكاملة من القيم، والوحدة، والتضحية، والإدارة الرشيدة للعلاقات الخارجية. فحين تجتمع هذه العناصر، تصبح الدولة قادرة على مواجهة التحديات، وصون كرامتها، وتحقيق تطلعات شعبها نحو مستقبل أفضل.



