جيمي عازار تقرأ “مساكبُ الغزل في شعر عبدالله شحاده” لجورج زكي الحاج
أ.د جيمي جان عازار
يقول الفيلسوف الألمانيّ فريديرك نيتشه ” لا أتخيّل نفسي أعيش من دون أن أكون فنّانًا”، وهذا ما اعتدنا عليه نحن عشّاقُ اللغة العربيّة وآدابها، وكم بالحريّ لو كان المنبرُ اليوم مسكونًا بشغوفٍ حمل همَّ اللغةِ والأدبِ والنقدِ وجماليّاتِ الأمس من خلال عاطفتِه الكبرى المنصبّةِ على الأدبِ بشكل عام والشعبيّ بشكل خاص.
جورج زكي الحاج باحثٌ عميق وأكاديميّ لامع وشاعرٌ نمّاق، واللغةُعنده وسيلةُ حضاريّة.
أراه اليوم في كتابه “مساكبُ الغزل في شعر عبدالله شحاده” مفكرًا مثقّفًا حمل مفاتيحَ الغزل ليأخذَنا إلى عالم عبد الله شحاده الشعريّ، وغرضُه الغزل.
ولا بدّ لي من أن أتوقّف قليلًا عند موضوع الفصحى والعاميّة، وأنا أعترف أنّني أحببتُ القصيدة العاميّة بخاصّة عندما يسكبها جورج الحاج على منابرِ الزمن لأنني أثقُ به وهو المدافعُ الأوّل عن العاميّةِ اللبنانيّة وجماليّةِ الصورةِ فيها.

أمّا عبدالله شحاده فقد ذكرني بلواء الأصالة وبموطئِ القيمِ الإنسانيّة ورفعِ الشعر من حيث المفرداتُ والتراكيبُ إلى مستوًى يليق باللغةِ العربيّة وبجماليّاتِها.
ولا بدّ لي من أن أشكرَ رئيسةَ منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحاده الثقافيّ السيدة ميراي شحاده على اهتمامها ومحبتها، ومن خلال مِداد هذه المؤلّفاتِ التي أهدتني إيّاها تعرّفت إلى شاعر الكورة الخضراء، ولياليه المكفهرّةِ بالتعبِ في أيام قاووشِه العتيق.
يقول عبد الله شحاده:
” وفي عالم الناس سجونٌ ومساجينُ، فالسجين إنسانٌ كبّلته شرائع البشر الجائرة، والسجّانُ إنسانٌ آخرُ أقامته أنظمةُ الناسِ وقوانينُهم حارسًا على أخيه السجين، فباتَ كلاهما سجينًا”([1]).
وذكر جورج زكي الحاج في كتابه ” إنّ أوّل ما يلفتُ الانتباهَ عند هذا الشاعر هو غزارةُ العطاء”([2])، وأنا أنوّه بقدرة هذا الأديبِ على سردِ ” ليالي القاووش” ونظمِ ” شعر الحب” في حياة واحدة:
يقول في قصيدة الناسك:
” فلم أجنِ في وحدتي غيرَ يأسٍ مخيفٍ على مهجتي أطبقا
وفي وحشةِ النفسِ تنمو البلايا ولا سيّما القلبُ إن أخفقا ([3])
ويتجوّل جورج زكي الحاج في أروقةِ شعر عبدالله شحاده تاركًا العِنان لمخيلتِه وقدرتِه النقديّة وقلمه، غارقًا في مجراه الرومنطيقيّ على الرغم من عدم اقتناعه بقولبة القصيدة أو الأدبِ ضمن المذاهبِ أو المناهجِ المعلّبة، كما يقول الياس أبو شبكة ” فيما كان بعضُ الأدبِ لاهيًا بفقاقيعِ النظريات، كان بعضُهم الآخرُ منصرفًا إلى خلقِ أدبٍ وطنيّ مستوحًى من التربة”([4]).

كما يلتقي جورج زكي الحاج عبدالله شحاده في محبته الطبيعةَ وفي الحنينِ إلى مرابعِ الصبا، وإلى الريف وهدوئه، مستبعدًا عالمَ فرويد ونيتشه ورأيَهما في مفهومِ الإنسان والأحلامِ، متخليًّا كذلك عن النظريّة الفلسفيّة للمذهب الرومنطيقيّ والماورئيّات
يقول عبدالله شحاده في قصيدة ذكرى الصبا:
“آهِ ما أحلى لقاكَ من رَيحانِ الجبلِ
آهِ ما أشهى لَماكَ ساعِ زقّات القُبَلِ
قم بنا نحو الغدير ذاب قلبي في هواكَ
واتّخذ صدري سريرَ واتّخذ ثغري طِلاك([5])
ويقول جورج زكي الحاج في قصيدة ” تشرين وحدو الموهبي” :
” كنتِ الحلم بالبال
عم إتخيّلك
مرّات شي موّال
مرّات شي سحبة قصب
تتغنّى
إلك….([6]).
لقد عالج الشاعران قضيّةَ القرية فنقلا إلينا طابعَ الحياةِ فيها بكلّ ما تحفلُ به من رونقٍ وجمال، وعبثًا نحاول البحث عن المدنيّةِ المطلقةِ وتقليدِ الغرب وأتذكر هنا تعليق مارون عبود على الكاتب المصريّ الثائر سلامة موسى يوم شنّ حملةً على الطربوش فردّ عبود ” الملبوس ما بيعمل القسوس”.
وذكر جورج زكي الحاج أنّه لم يتعرّف الشاعر عبدالله شحاده إلا بالاسمِ فقط ومن أبناء جيله الكبار، وهنا أطلق العنان لإيماني بأنّ أصالةَ القصيدة تجمعُ الأدباء، فكم جميلٌ أن يتوشّحَسهلُ البقاع بأطيافٍ من حجارة دير البلمند، فالمكان وفق المنهج السيميائيّ هو علامة تحمل دلالات، ووفق المنهج النفسيّ هو امتداد للحالة النفسيّة، ووفق المنهج الموضوعاتيّ هو ثيمةٌ مركزيّةٌ متكررةٌ تكشفُ رؤيةَ الكاتبِ إلى العالم، ومن أحقيّة المكان عند الشاعرين أذكر الشاعرة ربى سابا حبيب وهي زهرة معطرة من بخورِ ديرِ البلمند وابنةُ الشَمال الباسقة.

تقول الشاعرة:
” عطفُ جمالِك علييَّ أيّها الديرُ
فمن رأى سماءَك رآني
والذي أعرضَ عنك
عن الحقِ
أو خانَ
أصمٌّ أبكمٌ بقيَ
في مقلبٍ أسودَ
من صفحاتِك البيضِ البيضاءِ”([7])
وقد تماهى عبد الله شحاده من خلال المكان مع الحبيب وهذا ما أشار إليه جورج زكي الحاج قائلًا:
“كلامُه عن كوسبا هو كلامٌ عن الحبيبة “([8]):
يقول عبد الله شحاده في قصيدة “ذكريات الحب”:
” كسبا الجميلة حيّا اللهُ أربُعَها وطالعُ اليُمن حيّا كلَّ أهليها
يموتُ قلبي ويحيا في محبّتِها فكيف أسلو وروحي في أياديها؟؟”([9])
ولفتني هذا التناص الذي توسّع في تحليله جورج زكي الحاج بين قصائد شحاده والشعر الجاهلي، فأخذنا في رحلة بين أروقة الشعر الجاهلي صوب العشق عند الشعراء العذريين بخاصة قيسُ بن الملوّح.
يقول عبدالله شحاده في قصيدة صدى الناي:
” إن أمت ليلى ادفنيني بين ناياتي وعودي
وإلى قبرِ المُعنّى الشاعر ِ المغرمِ عودي
وازرعي فوقَ ضريحي كلّ أنواعِ الورودِ”([10])
واقترب مع جورج زكي الحاج صوب النابغة الذبيانيّ الذي جمع عناصر الشعر إلى درجة سامية:
” يا دارَ ميّةَ بالعلياءِ، فالسندِ([11]) أقوَت([12])، وطال عليها سالفُ الأبدِ
وقفتُ فيها أصيلًا كي أسائلَها عيّت جوابًا، وما بالرَّبعِ من أحد ِ”.
(الاعتذاريّات)
لم يتبع عبد الله شحاده مدرسة معيّنة في الشعر كما ذكر جورج زكي الحاج مع أنه عاصر المدرستين الرومنطيقيّة والرمزيّة، وإنّما كان حرَّا يكتب الشعر على سجيّته.
فكنت تراه كلاسيكيًّا حينًا وتقليديًّا حينًا آخرَ ورومنطيقيًّا في بعض الأحايين ورمزيًّا عن غير قصد. وهنا يستوقفني سعيد عقل وهو واحد ممن يقولون بالفن للفن والشعر عنده لغةُ الجمال والتعالي. وسؤالٌ أطرحه هنا؟ نتاجُ عبد الله شحاده هو نتاجُ إلهامٍ أم صنعةٍ، أم نتاجُ الاثنين معًا؟
لا يمكننا تحديدُ نظرية اللاوعي في التفكير أو المنطق الشعريّ عند عبد الله شحاده لأننا تأكدنا وفق رأي النقاد أنه مرّ على الرمزيّة ربما عن غير قصد، لكنّ القارئ صاحب العينِ الثاقبة يستطيع أن يكتشفَ عناصرَ الثباتِ في القصيدة أكثرَ من مراحلِ الخلقِ أو النحتِ كما أحبّ سعيد عقل.
وأختم مداخلتي بمقطوعة لبول فرلين تختصرُ مرحلةً من حياةِ عبد الله شحاده:
Unإ grand sommeil noir
Tombesur ma vie
Je perds la mémoire
Du mal et du bien
O la tristehistoire([13])
مشاركتي اليوم بخاصة في مسرح الأخوين رحباني القريب إلى قلبي غرسةُ في رياض محبتي وتقديري للدكتور جورج زكي الحاج و مُدخِل إلى عالم عبدالله شحاده المُكنِز بخاصة أنّ الاثنين التقيا حول مفاهيم الحق والخير والجمال متأثرَين بنظريّة أفلاطون.
أشكر لكم حُسنَ الاستماع
إلى الملتقى
***
1-عبدالله شحاده، ليالي القاووش، منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده، ط 1، 2021، ص 87.
1-جورج زكي الحاج، مساكب الغزل في شعر عبدالله شحاده، منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافيّ، ط1، 2025، ص 12.
2-عبدالله شحاده، المجموعة الكاملة، م 2، منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء، ط1، 2021، ص 57.
3-الياس أبو شبكة، روابط الفكر والروح بين العلرب والفرنجة، دار المكشوف، 1943، ص 131، 132.
4-عبدالله شحاده، المجموعة الكاملة، ص 269.
1-جورج زكي الحاج، شو حلو مبارح، مؤسسة أنطوان الجلخ، ط1، 2010، ص 56-63.
2-ربى سابا حبيب، عبق الأمكنة أو تلك الكنوز، دار درغام، ط1، 2019، ص 70.
3-جورج زكي الحاج، مساكب الغزل في شعر عبدالله شحاده، ص 40.
1-عبدالله شحاده، المجموعة الكاملة، ص 154.
3-السند: سند الوادي في الجبل،أوّل ارتفاعه، ربما أراد موضعين.
1-Jean- pierre Richard, Poésie et profondeur, éd. Du seuil, Paris, 1955, p174.
***



