سجلوا عندكم

جورج شكور: الشاعر الذي جعل من الكلمة موقفًا

Views: 814

فاروق غانم خداج

حين يُذكر جورج شكور، يُستعاد فورًا ذلك النفس الملحمي الذي أعاد للشعر العربي شيئًا من وقاره القديم، مع رنين كلماته الذي يجعل من القصيدة مساحةً جامعةً لما فرّقته السياسة والطوائف. لم يكن شاعرًا يكتب للتزيين، بل كان يرى في الأدب رسالةً أخلاقية، ومسؤولية تتجاوز حدود اللغة.

غير أنّ علاقتي به لم تكن قراءةً من بعيد، بل تجربة حيّة امتدّت على عامين، شكّلت في داخلي تحولًا عميقًا في فهم الأدب والذات معًا.

تعرّفت إليه حين زارني في إحدى الثانويات حيث كنت أدرّس، حاملاً كتاب الوافي في الأدب العربي الذي ألّفه مع مجموعة. كان حضوره هادئًا، لكنه مشحون بهيبة غير مصطنعة. دخل الصف، وتوقّف لحظة يتأمّل وجوه الطلاب، ثم طلب من أحد الطلاب أن يقرأ نصًا من الكتاب. لم يُعلّق مباشرة، بل ترك للكلمات أن تُقال أولًا، وكأنه يختبر وقعها قبل أن يفسّرها. بعدها، قال بهدوء: “النص لا يُفهم فقط، بل يُحسّ. وإذا لم نشعر به، فلن نفهمه حقًا.” عندها أدركتُ أنني أمام معلّم لا يُدرّس الأدب، بل يعيشه.

كانت تلك الزيارة بداية سلسلة من اللقاءات، اجتمعنا خلالها خمس مرات، وفي كل مرة كان يزداد حضوره عمقًا في داخلي. لم يكن يقدّم أفكارًا جاهزة، بل كان يفتح أبوابًا. أهداني مجموعة من كتبه الشعرية التي وضعها دعمًا للمناهج، وهي سلسلة تمتد من الصف الأول الابتدائي حتى الصف التاسع، وكأنه يصرّ على أن يبدأ التذوق الأدبي مبكرًا، لا بوصفه مادة دراسية، بل بوصفه تكوينًا للروح، رابطًا بين الكلمة وتربية الإنسان منذ بداياته الأولى.

في حديثه عن التعليم، طرح فكرة ظلّت ترافقني طويلًا: “المدرّس يجب أن يكون أديبًا أو شاعرًا”. لم يكن يقصد الترف الثقافي، بل ضرورة أن يمتلك المعلّم حسًّا جماليًا، لأن التلميذ لا يتذوّق ما لا يتذوّقه معلّمه. من هنا، لم يعد التعليم عندي نقلًا للمعلومة، بل مشاركة في التجربة.

في إحدى جلساتنا، ذكرت له أنني قرأت بنت يفتاح لـ سعيد عقل، فابتسم وقال: “اقرأ كل ما كتب سعيد عقل”. ثم أضاف في لقاء آخر: “اقرأ مارون عبود، وتعرّف إلى حسيب عبد الساتر”. كان يوجّهني نحو الأصول، لا نحو الاختصارات، وكأنه يعلّمني أن الثقافة ليست أسماء نعرفها، بل عوالم ندخلها.

ولم يكن حديثه منفصلًا عن تاريخ الأدب. أشار إلى دور الرابطة القلمية في إحداث ثورة تجديدية، تشبه ما أحدثه الأدب العباسي في زمنه، وذكر لي كتاب أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية لـ جورج صيدح بوصفه مفتاحًا لفهم أدب المهجر.

وكان لافتًا قوله: “اقرأ إبراهيم طوقان قبل محمود درويش”، مشيرًا إلى ضرورة فهم الجذور قبل الاندفاع نحو الذرى — درسًا غيّر طريقتي في القراءة.

كنت أتصل به أحيانًا، فتردّ زوجته وتحوّلني إليه، فيبادرني بسؤال واحد: “ماذا قرأت؟”. لم يكن يسأل عمّا أكتب، بل عمّا أقرأ، لأنه كان يرى القراءة شرطًا سابقًا لكل كتابة. وكان يقول: “الجامعة تعطي إجازة، لكنها لا تصنع مثقفًا”، مستشهدًا بتجربة جبران خليل جبران الذي لم يحتج إلى سنوات طويلة من التعليم ليصنع أثره.

ومع الوقت، بدأت أفهم أن ما يزرعه فيّ لم يكن نصائح متفرقة، بل رؤية متكاملة. لقد غرس في داخلي فكرة أن الأدب ليس حياكة لغوية، بل معنى. وكان يقول: “لا تكتب إلا ما يبقى ويرسخ”، جملة بدت لي آنذاك نصيحة، لكنها مع الأيام تحوّلت إلى معيار أعود إليه كلما كتبت.

لم تكن العلاقة معه خالية من الأسئلة. كنت أتساءل في داخلي: هل يمكن حقًا أن يكون كل معلّم أديبًا؟ وهل هذا ممكن في واقعنا التعليمي؟ لم أطرحها عليه مباشرة، لكنها كانت تنمو في داخلي مع الزمن. ومع ذلك، لم تُضعف فكرته، بل زادتها عمقًا، لأنها كشفت صعوبة المثال الذي يدعو إليه، لا استحالته.

سنتان معه لم تمرّا كزمن عادي، بل كمرحلة تأسيس. هذه مختاراته الشعرية ما تزال أمامي حتى اليوم، أعود إليها باستمرار، لا لأقرأها فقط، بل لأستعيد ذلك الصوت الذي كان يدفعني إلى أن أكون نفسي. ومن هديته إليّ أنني لم أعد أبحث عن الإعجاب، بل عن الصدق.

وقد امتدّ أثره إلى ما هو أبعد مني. هذه ابنتي تقرأ من مختاراته، وابني كذلك، وكأن الكلمة التي زرعها فيّ وجدت طريقها إلى جيل آخر. هنا فقط أدركت معنى أن يكون الأدب حياة، لا نصوصًا.

جورج شكور، بما قدّمه في ملاحمه الشعرية، يُعدّ من أبرز شعراء هذا اللون في الأدب العربي الحديث، لكنه بالنسبة لي كان أكثر من ذلك: كان نموذجًا للمعلّم الذي لا يكتفي بأن يعلّم، بل يغيّر.

لقد وجّهني إلى أن أحب لبنان، لا كشعار، بل كحضور في الكتابة، وأن أقرأ القرآن ونهج البلاغة لا بوصفهما نصّين دينيّين فحسب، بل ينابيع للغة والمعنى. والأهم من ذلك، أنه جعلني أدرك أن الأدب لا يُقاس بجماله وحده، بل بقدرته على البقاء.

وهكذا صارت الكلمة عندي موقفًا.

وإذا كان لي أن أختصر هذه التجربة، فلن أقول إنه علّمني فقط، بل إنه أعاد تشكيل علاقتي بالكلمة… حتى أصبحت أكتب لا لأقول شيئًا، بل لأترك أثرًا.

***

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *