محمد معلم ديوانًا… هداف شبك الخلود
د. قصي الحسين
“يا أيها النحر المشع مهابة/ ماذا إذا لو زحزحت أشلاء؟
ماذا لو الأضلاع أنبت بعضها/ وتناسلت من طلعها الشهداء؟
أفيا حسين لئن عيونك أغمضت/ لترمدت في كربلا الأرجاء….
هي كربلاء من قميص مدلج/ سالت دماك، عرفت كيف تضاء”.
التعب الشعري والمتاعب الشعرية من جمهور واحد. خصوصا حين يكون الشاعر هداف عقيدة نابعة من قرار عريق. بل من جرار مملوءة بالزمن المعتق الذي بدأ مذ بدأ، وظل جاريا. ظل سائلا في النفوس. لا تحجزه حواجز، ولا يحول دونه جبروت. كأن كل شيء في الحياة هو هو. وكأن النفس التي تتلمظها في جميع المواقيت، تغرف من النبعة ذاتها: سالت من الجرح ولم تعرف التعثر ولا التدثر، لأنها لاقت من جوهر النفس، ما يدعوها للخلود.
“محمد حسين معلم. المشتهون وطنا. دار البنان. دير الزهراني- لبنان.2026.(290.ص).”
متعب بالشهادة، أيان وجدها إلتقطها، هو الشاعر الجنوبي، محمد حسين معلم. لأن الشهادة عنده واحدة ولو كانت بوجوه متعددة. لم لا. خصوصا إذا ما كانت تنبع من “جرح الحسين”. أو لنقل من جرح حسيني قديم. جرح بكته العيون في البرهة الخالدة. وظلت تنوح عليه دهرها. حتى إستحال الجرح مرفأ للعيون، قديمة أم جديدة، لا فرق، ما دامت تتصدر المشهد، كلما آن أوان الشهادة.
“وعلى الذين يشككون بنهجنا/ ويحاولون الدس والتجهيلا
أن يدركوا أن الحسين شفيعهم/ وشفيعنا لو يفقهون قليلا”.
الأستاذ محمد حسين معلم، يغرف من بحر الشهادة الأولانية. فلا شهادة عنده، سبقت شهادة الحسين. وكل شهادة بعده، إنما هي من نسل تلك الشهادة.
“ناديت دجلة فاستوت بغداد/ إذ هالها ما يحمل الترداد
يا قاهر السجان حسبك كاظما/ ما بالها ذابت بك الأصفاد؟
ما جرحت كفيك إلا انها/ نبتت لها في معصميك بلاد”.
سليل هذا الجرح هو الشاعر محمد حسين معلم. كأنما كل من عاش وكل من مات، هو في مرآته، كان بحق شهيد الشهادة. جرح نازف على أرض الجنوب، يعيش في كربلائية دائمة. ألهمه النثر والشعر. قالت يداه: ما أحيلى الكتابة حين تكون بطعم الشهادة.
“حتى القصيدة قطعت وتبضعت/ ما ظل منها غير همس فراق
ولأنها باسم الحسين توسمت/ تحتاج سجادا بلا إخفاق”.
قلما تعرف في ديوانه: “المشتهون وطنا”، لونا من الشعر غير مغموس بالحزن. غير مضرج بالدم. غير مضمخ بالدمع. فحزنه من نسيج حزن أمة، فقدت في ليلة ليلاء أبنها وإستفاقت على صيحة مدوية: وا حسيناه. رأته شهيدا جاريا. يسبق زمنه، أم يسابقه، إنما جرح الحسين، هو هكذا.
“أقم الصلاة جميعهم شهدا، فما/ أحلى الصلاة على الشهيد تقام
مولاي أذن، إن قلبي موجع/ كيف النسور عن الجنوب تنام
… وأراك وحدك ساهرا قلقا، وقد/ غاب الجميع عن الجنوب وناموا”
جميع المناسبات بدت في ديوانه بطعم الحزن الحسيني، حين كان الشاعر، يفجر لوعته شعرا عليهم. يريد تخليدهم. يريد لهم روعة الموت شهداء. لا فرق عنده، إن كانوا موتى. أو كانوا أحياء. لأنهم سوف يؤولون بعدها، إلى شهادة حسينية واحدة.
” لا تحزنوا وإصبروا، مهما عتت محن/ فحيثما عصفت ريح، نمت فتن.
لا تيأسوا، أنتم الأعلون، حسبكم/ كما الحسين، فلا تلووا ولا تهنوا”.
ما أعظم القضية حين تغرق بدمها. تظل دهورها كلها، متلألئة. قضية عاشورائية دائمة، في كل المناسبات، وفي كل الكلمات. وفي كل الأزمنة. وكذلك هي هي في جميع الأمكنة. لأن شاعرنا يخجل من نفسه، حين يحيد عنها.
“أبو الشهيد شهيد منذ ما إرتفعا/ إلى السماء دم زاك، وما رجعا.
ومن شهيد إلى جرح إلى كفن/ حتى علت في القرى قبضاتها طبعا
ابا خليل! ومنذ الدمعة إنصهرت/ كنت المقاوم مفطورا وما ركعا
نازعت عمرك أياما تنازلها/ جرحا فجرحا، وكأسا داميا وجعا”.
محمد حسين معلم، إنما هو شاعر قضية واحدة. أراد أن يعز الشعر.. أراد أن يعز نفسه.. أوجد نفسه بنفسه، كما العزيز. ثم راح يعتز… وراح ينسج الشعر تحت إيوان كربلاء. وعلى فساطيطها المعسجدة. كل من مات في ديوانه أتى به إلى إيوانه ووشحه بقصيدة حسينية رائعة.
“أقدم، فمثلك أنبياء أقسموا/ خلعوا نعالهم هناك وأقدموا
مستبشرين بما سيأتيهم وقد/ سجدوا لصوت الله إذ يتكلم”.
وشاح الحزن الكربلائي، إتسع لهم جميعا. ألم يكن جميعهم حسينيين، أو معنيين بشهادة الحسين، حين كانت تتخطفهم دروب الشهادة، على أرض الجنوب، تماما كما كانت الدرب القديمة إلى كربلاء، موشحة بأوسمة وتيجان الشهادة.
“كل الطيور تبيت في أعشاشها/ إلا عصافيري تظل مهاجرة
ولأنكم مني ضلوع قيامتي/ سأريكم كيف النسور محاصرة”.
آية البطولات عند شاعرنا: محمد حسين معلم، أن تكون شهيدا كربلائيا في اللحظة الحاسمة. هو عاشورائي معلم، في صياغة المعنى المعنى.( بتشديد النون). حزن يدق ضلوع الصدر، حتى يضخ القلب حبه. ينضح بما كان يخبئه، طيلة دهره كله. وتكون سجدته الأخيرة، بطعم شهادة حسينية رائدة.
“يا أمة أخرجت كالشمس ساطعة/ ما عاد ينفعنا نعي وتأبين
خلي الرجال إلى الأقصى بنادقهم/ ليدخلوا القدس إما جاءهم حين”.
الشاعر محمد حسين معلم، في ديوانه الأخير: “المشتهون وطنا”، يختم على قلبه، بخاتم الحسين. يختم على شعره بخاتم الحسين. يختم على نثره بخاتم الحسين. هكذا هو ديدنه ودهره كله: شاعر الشهادة الخالدة.
“عمري فرات وجرح الكون مجراه/ ومذ عشقتك، قد بدلت مجراه
أنا وأنت كأن الله أوجدنا/ نحب نعبده حبا فذا الله”.
هداف شبك الخلود، هو الشاعر محمد حسين معلم. عرف حقا، كيف تكون له الضربة القاضية. جعلها ديدنه. عاش أزمنتها كلها. ثم إنبرى شاعرا جنوبيا حسينيا كربلائيا وعاشورائيا، يهدر بالشعر في بحار الشهادة المتلاطمة.
“سأقول قولي، قد أكون مبالغا/ ماذا إذا جاؤوا بنعشك فارغة
خبئ رخام القبر قيد رصاصة/ فالقوم يقلقهم غيابك لا الوغى”.
***
*أستاذ في الجامعة اللبنانية.



