مضار القراءة!
زياد كاج
في أول زيارة استكشافية لي لسوق الخضار الأضخم في البقاع ولبنان في قب الياس، برفقة صديقتي ابنة البقاع، التي تدرك كل شاردة وواردة في المنطقة، دفعتنا الحشرية إلى السؤال عن السوق، وكيفية الدخول إليه من البوابة الرئيسية. دخلنا في السيارة إلى السوق البيضاوي الشكل والمحاط بمخازن الخضار والفاكهة المنتجة محلياً والمعدة والموضبة كي تباع في أسواق بيروت وفي الخليج (قبل اقفال معبر المصنع)!! الشاحنات، على اختلاف أحجامها، كانت مركونة في الساحة الداخلية حجمها بمساحة ملعب كرة قدم.
كان هوسي السؤال عن “البطاطا البقاعية”، ونيتي شراء صندوق “بالجملة” بهدف تحقيق نصر تجاري و “توفيري” افتخر به في بيروت!!
تركتني صديقتي أقصد محال التجار كي أسأل عن البطاطا البقاعية!! ولم أكن أعرف أن موسمها يحلّ بين حزيران وتموز، فكان الجواب من معظم التجار الجالسين خلف ميازين ضخمة والشوالات والصناديق، متوجمين، ربما بسبب إقفال معبر المصنع. ثم يأتي رجل من بيروت، لا يفقه في مواسم الزراعة ولا في البطاطا ليسأل عن البطاطا البقاعة وبالمفرق!!
ربما تركتني صديقتي “آكل الضرب” عن قصد!! وهي الخبيرة بمواسم البطاطا، أو ربما نسيت.
“عكارية”، كان الجواب. “لا يوجد بطاطا بقاعية بكل السوق”.
اكتشفت غشمنتي المدينية بعد مغادرتنا السوق الشاسع، لكنني كسبت شوال بطاطا وزنه 13 كيلو بسعر 50 الف ليرة لبنانية للكيلو الواحد. بينما، حسب ما علمت لاحقاً، أن كيلو البطاطا في بيروت أغلى بكثير.
أروي هذا المقلب كي أدخل في صلب الموضوع…وهو غربة المثقف عن العالم الحقيقي والعملي ومتطلباته البديهية، وعن تفاصيل الحياة اليومية بسبب انغماسه في عالم الكتب والقراءة والمعرفة.
في مرحلة المراهقة وبداية تفتح الوعي الفردي وتناحره مع المحيط الاجتماعي والأحداث الضخمة غير القابلة للتغيير، وجدت هروبي في القراءة وعالم الروايات باللغة الانكليزية المبسطة، وليس أي نوع من القراءة. بدأت بقراءة القصص والروايات الأجنبية – الإنكليزية تحديداً – حيث اكتشفت عوالم ومغامرات وبشر وعلاقات لا تمت بصلة بما يدور من حولي. وكان صيداً ثمينا، راحة نفسية، وسفراً بالخيال الى الأدغال، وعالم البحار، وقصص الحب…فكنت أبحر بعيداً، كل ليلة وعلى ضوء شمعة مثبتة على صحن أبيض…بعيداً عن حروب الشوارع، ورشاشات الكلاشينكوف، والبذلات العسكرية المرقطة، وأصوات القذائف والرصاص وصداها البعيد.
لا أنكر أن القراءة حولتني الى “جزيرة” بعيدة نسبياً عن اهتمامات الأصحاب وأفراد العائلة في الدائرة الصغيرة والكبيرة. صرت شبه معزول، فكرياً على الأقل. كان الرفاق يركضون وراء عالم السيارات والشغل والفرصة والمال، وطبعاً، الصبايا الجميلات والحفلات. فيما بقيت وسط عالم من الخيال، خطته عقول تتقن فن سرقة عقول القراء إلى عوالم بعيدة، افتراضية. وكنت أنا، بحاجة ماسة للهروب، للتخفي…فقيل عني إنني متزوج الكتاب والشمعة!! كان الشباب يتكومون حول سيارة جديدة اقتناها أحدهم، فأبقى على مسافة أراقب من دون اهتمام.
“لماذا هذه الهوس بالسيارات؟” غاب عن بالي أن السيارة تعني المشاوير البعيدة، ورفقة الصبايا، وتعني القوة والسلطة والمغامرة. يا لسطحيتي! بقيت أسير فكرة أن الفتاة قد تحبني بسبب رسالة حُبّ مكتوبة على “كارت” باللون الأحمر كنت اشتريه من أحد محال “شارع بلس”. واعتقدت واهماً، أن الفتيات ينجذبن إلى المعرفة والشِّعر والفِكر. حتى قصائد شكسبير وموهبتي في الرسم لم يسعفانني.
حولتني القراءة والإدمان على الكتب إلى شاب يعيش المثاليات ويحشو عقله بالمعلومات العامة والحكم والأفكار المجردة. ففاتني تعلم قيادة السيارة والسباحة وحتى استخدام السلاح للدفاع عن النفس في بلد كان يعيش حروب شوارع يومية بين سلسلة من التنظيمات المرهونة إلى الخارج والتي امتهنت الاتجار بصور الشهداء. كان علي أن أقود سيارة، أن أسبح، مثل أصدقائي، في عمر مُبكر، وأن أنخرط بالحرب وأكسب قوة السلاح، من دون زعرنة، بدل التفرج على الشارع والتحول إلى متابع للمشاهد، وإلى شاب تشرَّب الإدانة وعدم المبادرة منذ تفتح وعيه. نعم، القراءة تبعدنا عن الواقع والمجتمع، ومن قال إن الناس تريد المعرفة العميقة؟ من قال إن الناس تساق بالحكمة واشهار المعرفة الناصعة؟
“كندرجي عنا بالحي استطاع وبيده كلاشن، ومعه حزبه اغلاق المنطقة عنا لأيام”!! الناس لا تحترم الا قوتين: المال وسلطة القهر والقوة.
كان علي أن أنخرط أكثر بالخلافات والمشاكل. أن أعي أكثر نواقص وأمراض المجتمع الذي أعيش فيه. لا أن أتحول الى “نرجسي معرفة”، ينتظر التصفيق و”البرافو” كلما نطق بجوهرة تذهب هباء في الهواء. كان علي خوض النقاشات ورفع الصوت عالياً، وكان علي المطالبة بحقوقي وعدم التنازل والتراجع أمام التحديات. الصراع بين البشر هو صراع البقاء، والضعيف لا مكان له وسط غابة من المستوحشين على الرزق والمكاسب.
من أين جاءتني تلك العادة السيئة للميل الى المواربة، إلى الوسطية، إلى البحث عن الحلول الدبلوماسية. من أين جاء كل ذاك الانبطاح؟ بؤس المثقف الذي يعيش في برجه العاجي ولا يفيد المجتمع أو يتفاعل معه. أذكر مشهداً كان يلفتني خلال الحرب عند مروري تحت شجرة الصنوبرة في رأس بيروت: رجل ستيني، يبدو من بذلته القديمة الرثة السوداء، أنه كان صحافيًّا وأن المهنة قد أفشلته وانهكته لكثرة ما عرف. يتحدث مع نفسه عن الفساد في البلد ويعيد نفس الأرقام بالملايين. كنت أحزن كثيراً لرؤيته على تلك الحال.
من مضار القراءة، أنك ستتعرض للاستغلال من قبل أي ميكانيكي غشاش لأنه سيكتشف من كلامك أنك لا تفهم العطل الحقيقي في سيارتك. وأنك لن تعرف موسم البطاطا البقاعية، ولن تميز بين العكارية، والمصرية المستوردة. ومن مضار القراءة، أنك ستكتشف متأخراً، أن عامة الناس، سيضيق صدرهم منك ومن كثرة كلامك وتنظيرك، لأن حكمتك ومعلوماتك لا تشتري لهم ربطة خبز.



