سجلوا عندكم

عند حافة الغدير

Views: 328

محمود شريح

ثمّ أنّي بقيتُ أنتظرُها حيثُ كان لقانا على الدوام عند حافّة الغديرِ، تحت شجرةِ صفصاف تيمّناً بمسقطها قرية الصفصاف في أعالي الجليل، وكانت مياه الغدير صافية مثل عينيها الصافيتين، وكانتْ مياهُه تنسابُ بهدوء من تحويطة الغدير في بيروت حيث سكنتْ مع أهلها إلى البحرِ ناحية مطارِ خلده، وكنّا تواعدنا أن نلتقي هناك، منذ التقينا وتعارفنا، ساعةَ غروبِ الشمس، وكان الغديرُ يهمسُ لنا وكنّا نهمسُ لبعضِنا إثرَ النزوحِ الأوّل، فما أن كان نزوحٌ ثانٍ حتى غابتْ عن لقانا وأضعتُ عنوانَها فصرتُ كلّ ساعةِ غروبٍ اتفيّأ ظلّ شجرة الصفصاف عند حافة الغدير آملاً برؤيتها وكان ذلك لسنوات لكنها لم تعدْ.

لكنّي لم أيأس، وجاءني ما ردّ إليّ يقظة الأمل، إذ كتبتْ لي ابنتُها رسالةً، بعد خمسين على غياب أُمّها عنّي، تستفسرُ منّي عن لقانا عند غدير بيروت، فكتبتُ إليها وحسمتُ أمري لعلمي أن تقديرَ الزمانِ عجيبٌ: 

تسألينني

كيف كان هوانا

وهل أنسى لقانا

ضياءً كانْ

في فجرِ الزمانْ

على صخرةِ الصِّبا

فأخفى الموجُ نجوانا

وها اليومَ

بعد خمسينْ

تبقى عندي وردةَ حنينْ

كلّما خطرتْ على بالي

تردُّني إلى صفاءِ أمسي

ثمّ ماذا يجديكِ سؤالي

عن ربوعِنا الخوالي

وقد تخطّيتُ السبعينْ

وليسَ في فضاء الروحْ

سِوى همسِ أنينْ

ونَدْبِ جروحْ

وبقايا مدنٍ

وآثار صروحْ

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *