حين يرسُم الضوءُ سيرةَ إنسان

Views: 245

سحر الهنيدي بالمر*

بعض الأفلام لا تبدأ على الشاشة، بل في تلك المسافة الصامتة بين المشاهد وتوقعاته. تدخل القاعة من دون معرفة مسبقة بما ينتظرك، ثم تخرج وقد شعرت أنك التقيت شخصاً لم تعرفه من قبل، وأنك اقتربت من حياة كاملة خلال ساعة واحدة من الضوء والصوت والذاكرة.

في مساء الجمعة 21 نوفمبر 2025، حضرت العرض الأول لفيلم «أطياف ذلك الضوء» للمخرجة الإماراتية نجوم الغانم في سينما فوكس بمجمع وافي في دبي. لم أكن أعرف شيئاً عن الفيلم ولا عن الشخصية التي يتناولها، سوى أن نجوم الغانم من أبرز الأصوات السينمائية في الإمارات، وأن أعمالها تمتلك قدرة نادرة على إبطاء الزمن وفتح مساحة هادئة للتأمل..

ما شاهدته لم يكن فيلماً وثائقياً بالمعنى التقليدي، بل تجربة حسية وفكرية تتشكّل من الظلال والأنفاس والذكريات. على امتداد ستين دقيقة، تقود نجوم الغانم المشاهد بهدوء وثقة، حتى تصبح شخصية سلطان بن علي العويس حاضرة في القاعة حضوراً يكاد يُلمس.

“ليست السينما ما نراه على الشاشة فقط، بل ما يبقى معنا بعد أن تنطفئ الأضواء”.

ذاكرة تُرسم طبقة بعد أخرى

يفتتح الفيلم بخط مرسوم لوجه سلطان بن علي العويس. ومع توالي الشهادات والذكريات، يكتسب هذا الرسم لوناً وملمساً وعمقاً، كما لو أن الذاكرة نفسها تتشكل أمامنا طبقة فوق طبقة. يبدأ الوجه كإشارة، ثم يتحول تدريجياً إلى حضور كامل، في بناء بصري يعكس الطريقة التي نتذكر بها الأشخاص الذين تركوا أثراً عميقاً في حياتنا.

الضوء هو الخيط الذي يصل بين هذه الطبقات. ليس مجرد عنصر جمالي، بل لغة كاملة تُستخدم للكشف والإيحاء والحجب. بهذا الحس التشكيلي، ترسم نجوم الغانم بورتريهاً سينمائياً يجمع بين عين المخرجة وحدس الشاعرة، وهو أمر ليس غريباً على فنانة تجمع بين الكتابة والإخراج منذ عقود، وقد صنعت لنفسها مكانة راسخة في السينما العربية والدولية.

دخلت القاعة وأنا لا أعرف شيئاً عن سلطان بن علي العويس، وخرجت منها وكأنني أمضيت أمسية في صحبته. وُلد في منطقة الحيرة في الشارقة عام 1925، وكان شاعراً ورجل أعمال ومحسناً لعب دوراً بارزاً في دعم الثقافة العربية. أسس مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية عام 1987، والتي تمنح واحدة من أرفع الجوائز الأدبية العربية المستقلة، وكرّس جانباً كبيراً من حياته لخدمة التعليم والثقافة والعمل الخيري في الإمارات والعالم العربي.

حين تصبح الصورة شكلاً من أشكال الوفاء

أكثر ما يميّز الفيلم أنه لا يقدّم العويس كشخصية تاريخية جامدة أو رمزاً بعيداً، بل يقترب من إنسانيته وتواضعه وأثره الهادئ. تبني نجوم الغانم هذا القرب من خلال التفاصيل الصغيرة: صوت التنفس تحت الماء، اتساع الأمواج، حركة الظلال على جدار أبيض. وفي أحد أكثر المشاهد تأثيراً، يبدو الجدار وكأنه يبكي لحظة الرحيل، في صورة تختصر معنى الفقد بكثافة شعرية نادرة.

تقوم اختيارات الفيلم كلها على قدر كبير من الاقتصاد والانضباط. حتى أسماء المشاركين في الشهادات لا تظهر إلا في النهاية، في قرار ذكي يترك الكلمات تتقدم من دون وساطة الألقاب. الإيقاع هادئ، والكادرات نظيفة، ولا شيء يشتت الانتباه عن جوهر الحكاية. وعندما انتهى العرض، بقي كثير من الحضور في مقاعدهم لدقائق من الصمت، كأن الفيلم خلق سكوناً داخلياً يحتاج إلى وقت حتى يستقر.

السؤال الذي ظل يرافقني بعد العرض هو: كيف يمكن لشخصية بهذا الأثر أن تبقى مجهولة لدى كثير من الشباب الإماراتي والعربي؟ لقد أسهم سلطان العويس في الشعر والثقافة والعمل الإنساني، وترك مؤسسة ما زالت تحتفي بالمبدعين العرب حتى اليوم. ومع ذلك، فإن معرفة الأجيال الجديدة بهذه الأسماء لا تزال تحتاج إلى مزيد من الجهود الثقافية والتعليمية، وإلى أعمال فنية قادرة على إعادة تقديم هذه الشخصيات بلغة معاصرة.

في هذا المعنى، لا يكتفي «أطياف ذلك الضوء» بتوثيق سيرة رجل استثنائي، بل يؤدي دوراً ثقافياً أوسع: إنه يعيد وصل الحاضر بذاكرته، ويذكّرنا بأن الإبداع الحقيقي لا ينفصل عن العطاء.

أما بالنسبة لي، فقد جاء الفيلم في لحظة شخصية ذات دلالة خاصة، بينما أعمل على إعداد مجموعتي الشعرية العربية الأولى. شعرت وأنا أشاهد هذه السيرة بأن الحياة قادرة على أن تجمع بين الفن والعمل والخدمة العامة في مسار واحد متكامل. وهذا ما يجعل تجربة سلطان بن علي العويس ملهمة إلى اليوم.

«أطياف ذلك الضوء» ليس مجرد فيلم أُنجز احتفاءً بمئوية شاعر ومثقف إماراتي كبير، بل عمل يتأمل وينصت ويكشف. وفي ستين دقيقة فقط، تنجح نجوم الغانم في التقاط روح إنسان كرّس حياته للشعر والثقافة والعطاء. ونادراً ما يغادر المشاهد قاعة السينما وهو يشعر أنه تعرّف حقاً إلى شخص لم يلتقه من قبل. ذلك، في النهاية، هو أثر الفن حين يُصنع بعناية وصدق ومحبة.

***

 *كاتبة وبودكاستر بريطانية فلسطينية، صدر لها اثنا عشر كتاباً عن دور نشر دولية. تقدّم منذ أكثر من عشرين عاماً برامج باللغة الإنجليزية حول الوعي والقيادة الذاتية. تعمل مرشدة حياة للقيادات وصنَّاع المحتوى. تكتب أعمدة ومقالات نقدية في مجلات عربية وعالمية. تعمل حالياً على إصدار مجموعتها الشعرية العربية الأولى “أنثى السَّحر”.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *