“كتاب الغرفة” لعقل العويط أو الأثر والعالم
سليمان بختي
متارجحا بين السيرة الروائية والسيرة الشعرية، يكتب الشاعر عقل العويط “كتاب الغرفة” (نوفل ٢٠٢٥ في ١٨٤ صفحة) كتابة أعمى بصير يتلمس الطريق إلى مكان الغرفة وعوالمها ومناخاتها المؤنسة ومنتقلًا إلى غرفة جديدة و ولادة جديدة وعالم جديد..
في زمن انكسار البلد أو فكرته، وفي زمن إنهيار السرديات الكبرى وتراجع اليقين، يكتب عقل العويط كمن يريد استعادة ما تبقى من رثاء الذات وانهدام الماضي وغياب العالم كما نعرفه. على هذا النحو يمضي عقل العويط في زورق مترجرج وسط العواصف والأنواء ولا حبل نجاة ولا مرساة ولا شيء ينقذه من الغرق سوى الذاكرة أو الكتاب. الذاكرة باعتبارها خط الدفاع الأخير عن الانسان، أو التعلق بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة مثل طقوس فنجان القهوة أو الغصن الأخضر فوق النافذة أو المطر النازف من سماء أو غيمة.
وينتقل في السرد من خيبة إلى خيبة ومن ذروة الأمل الى وهدة اليأس.، وهو اذ يروي حكايته ونزوله من الريف (قريته بزيزا ) إلى طرابلس وبيروت وإلى المدرسة الثانوية ، وبداية حبه وشغفه باللغة العربية، ومن ثم الى كلية التربية في بيروت ونضاله في حركة الوعي، وانضمامه إلى جريدة النهار وإلى ملحق النهار الشهير الذي اطلق عليه رصاصة الخلاص، ودائمًا إلى الشعر وفي الشعر ومع الشعر ولأجله، وكذلك الى العزلة ومعها ومنها وفيها.
وعلى مدى الصفحات تحمله الخيبات إلى مراراتها وإلى المفارقة الصعبة بعد كل انغماس مختلف في الحياة، وكل مفارق مضنى يا قلب يا مضنى يقول امين نخلة. ولعلنا نسأل معه في كل محطة ماذا ندفع مقابل غرفتنا على هذه الأرض. فسحة مستهدفة بكل انواع المفارقة. يتأمل الكتب ويعجب كيف تتحول هذه الكتب إلى ذاكرة حية، وكيف تتحول الوجوه الحاضرة والغائبة إلى معنى متصل واحد فلا غياب ولا حضور ولا خيار. والحال ، هناك كائنات حية تتحرك داخل النص، تنبض، تعيد امتلاك الحياة الجديدة رغمَا عن الحياة. كل ذلك يحيل الراوي أو الشاعر إلى شخصية مفهومية تحاول التحصن داخل الأمان في الغرفة وداخل المعنى وداخل البيان، لأجل موقف أخلاقي جمالي إنساني وقيمي ووفي لرموز الذاكرة والوجوه الحقيقية.
لا تبقى الغرفة على مستقرها أبدًا، يا غرفتي، يقول. ولا تبقى في حيزها المالوف بل تتحول إلى مسرح حقيقي وعبثي لأحداث وذكريات ورعشات وفوضى وغوص وتأمل وسفر وأفق . فهو يحتار مع غرفته فيسأل:” أهو كتاب الغرفة؟ أم سيرتها؟ أم بعض لغتي وأسلوبي وعمري وسيرتي “. ولا يعود يميز في النهاية بين صحبة الكتب والأصدقاء والقلب والعقل والصوت والوحدة والفراغ والعدم والموت وصحبة السرير في غرفة عائمة فوق بحر وعلى سفح وعلى ارتحال وعلى هبوب.
يحاول عقل العويط من جديد اجتراح الامل وصناعة الحياة والحلم بنهوض البلاد. ولكن دون ذلك أهوال. وينقل عن فيروز:”اذا متفقين انو ما الكن إلا هالوطن لشو عم تقتلوه”. يتذكر كرة القدم اللعبة البهية التي حملها من ملاعب الطفولة إلى شغف المباريات العالمية وحيدًا أو مع كثرة. يتذكر المواجهات الصعبة في حياته ويوم كتب في ١١ اذار ٢٠٠٣ “رسالة الى الله” وصدرت بحقه فتاوى تكفيرية إلى حد هدر الدم.ويبقى السؤال :من يدفع ثمن الحرية في بلادنا؟ كلهم كانوا شهوده في الغرفة: الكتب والحلم والجسد والزمن المضاد وحلفاء الجمال والحرية.
لفتني في الكتاب نص جميل عن منقوشة الصعتر وفيه ما يشبه قصة اللوز في مفكرة أمين نخلة الريفية. يسبح عقل العويط في كتابه في المطر وفي البحر وفي المرأة وفي كل سائل كأنه الماء وأن تجري مع كل نهر إلى كل وادٍ.
ولكن هذا السفر الصادق داخل الذات يظل يطلب الشعر وبين النقص والاكتمال يولد الشعر، ولا يتوقف الشاعر عن مطاردة الروح حتى لا تنسى ماضيها، ويطارد الكلمة حتى لا تنسى ينابيعها، والغيوم حتى لا تنسى السماء. أليس الشعر هو ” شعور الكلمات بامتلائها العاجز عن التفسير”. ومثل الشعر وعجزه المستحيل يكتفي عقل العويط بالقليل من كل شيء مثل الناسك أو المتصوف. وما يريده في النهاية أن يشق فداحة الظلمة، وأن يستعيد مملكة الغرفة الضائعة ، وأن يظفر بالولادة الجديدة.
أخيرُا، هذا الكتاب هو نتاج عزلات عميقة وتحولات قاسية وغوص عميق في الذات والمكان والزمان. كانت الغرفة وستبقى سقفه الأخير وملاذه الآمن بين الماضي والحاضر والبداية والنهاية وبين الأثر والعالم .



