“غاندي طريق السَّلام” لفارس زعتر جديد دار نلسن
صدر عن دار نلسن في بيروت كتاب “غاندي طريق السَّلام” للكاتب فارس زعتر. لوحة الغلاف من خيال الرسّامة جورجيت سمير زعتر. خطوط الكتاب بريشة ياسر بدر الدين. في ما يلي المقدمة بقلم المؤلف:
الفصول الأربعة التي يضمّها هذا الكتاب هي استعادة حرفيَّة لأربع مقالات نشرتُها في مجلّة “صوت داهش” بنيويورك ما بين عامَيْ 1995 و1998. والدافع الذي حدا بي إلى إعادة نشرها هو أنَّ المشكلات التي تعالجها شبيهة إلى حدّ كبير بالمشكلات التي يعاني منها لبنان والشرق الأوسط عموماً، والتي هي في الواقع مشكلات عالمية لا يخلو منها أيّ مجتمع من المجتمعات، وإن بدرجاتٍ متفاوتة. وفي اعتقادي أنَّه يمكن الإفادة من الأفكار الفذّة، والوسائل العملية المبتكرة التي اعتمدها المهاتما غاندي في مواجهة الاستعمار البريطاني، ومفاسد المجتمع الهندي وانقساماته على خلفياتٍ دينية وطائفية وإثنية وطبقيّة.
ولا بُدّ من الإشارة، بادئ ذي بدء، إلى أنَّ هذه الأفكار، والوسائل العمليّة المنبثقة منها التي رسَمَ بها طريقَ التحرُّر المثالي من النير الأجنبي، لا تنفصم عن دعوتهِ إلى إصلاح الفرد وتحريره، وتحرير المجتمع، من المعتقدات الظَّلاميّة الفاسدة، والتقاليد البالية التي أسبغَ عليها الزمن مسحةً من قدسيّة مزيّفة استغلّها المستفيدون من تكريس الطبقيّة والمنبوذيّة والنظرة الإِقصائية إلى الآخر، ناهيك عن أفكاره الجريئة في فهمه للدين ولتعدّد الأديان، وإخضاعه المسلّمات الدّينيّة المتوارثة، وحتى ما جاء في الكتابات الدينية المقدّسة، لحكم العقل. فهو يرفض أيَّ معتقدٍ ديني لا يقرّه العقل ويتنافى مع جوهر الدين الذي هو، في شرعه، خدمة الضعيف والفقير والبائس. فالله، في مفهومه، هو الحقيقة والمحبة التي لا تفرّق بين إنسان وآخر، ولا تميّز على أساس المعتقد أو العرق أو اللون أو الجنس أو سوى ذلك. السلام الذي سعى غاندي إلى تحقيقه في الفرد والمجتمع وفي العالم هو السَّلام المبنيّ على أسس الأخلاق والمحبة والإيمان المطلق، لا الاستنسابي، باللاعنف.
هذه الأفكار وسواها الكثير مما تعالجه فصولُ هذا الكتاب قد يجد فيها القارئ ما يُساعد على كيفية معالجة المشكلات التي تعاني منها المجتمعات في جميع أنحاء العالم، وبالأخص مجتمعنا اللبناني والعربي. أوَليس جريمةً بحق جميع الأديان والقيم الإنسانية السَّامية قتلُ أيّ إنسان بسبب انتمائه الدّيني أو الطائفي أو المذهبي؟ أوليس من العار أن نجد في القرن الواحد والعشرين أفراداً وجماعات تُسوّغ لنفسِها الاعتداء على أماكن العبادة من كنائس وجوامع وسواها، وعلى المصلّين فيها، بالاستناد إلى “مبرِّرات” دينيّة ظلامية منغلقة، مرتبطة بأهداف سياسية فئوية حاقدة؟!
ينطبق على عالمنا اليوم، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، قول الفيلسوف الفرنسي مونتانيوMontaigne:”إنّ عالمنا ليس إلا جنوناً”Notre monde n’est que folie. أقول: أكثر من أي وقتٍ مضى، لأننَّا نعيش في عصرٍ مذهل بالإنجازات العلميّة التي تفوق الخيال، ومع ذلك يبدو أنَّ الإنسانيّة لم تَتَعَلّمْ، ولم تستوعِبْ، دروسَ وتجاربَ ألوف السنين؛ وهي أن السَّلام المنشود، الذي يستحقّ أن يوصف بالسّلام، لا يمكن أن يتحقَّقَبالفرض والقهر، والتنكيل والاغتيال، والمجازر البربريّة الوحشية التي تعكس حقداً واستعلاءً واستهتاراً بالحياة التي هي قيمة عليا مقدّسة يقتضي المحافظة عليها وعدم المساس بها. كما إنه لا يتحقق عن طريق المعاهدات والاتفاقات الثنائية أو المتعددة الأطراف وحدها، ولا عن طريق المنظمات الدولية كعصبة الأمم المتّحدة التي أبصرتِ النّورَ بُعيدَ الحرب العالمية الأولى، أو منظمة الأمم المتحدة عام 1945، ولا عن طريق الحلول الاستنسابية التي تكرّس الانقسامات داخل الدول بأنظمة تتخذ أسماءً وأشكالاً متعددة لجوهرٍ طائفي واحد؛ ولا عن طريق تقسيم الدول على أساس ديني أو إثنيّ كما حصل في الهند عندما أُنشئتْ دولةُ باكستان ومن بعدها دولةُ بنغلاديش. ولا شيء أدعى إلى الخجل والغثيان من سماع السياسيين الذين يقفون وراء الحروب والمجازر، وهم يصفون سقوط الضحـايا البريئة من المدنيين بعبــــــــــــــارة “الأضرار المرافقة” أو “الأضرار الجانبية”Collateral Damages.
هذا الوصف يدل على أن حياة الانسان وآلامه هي بمثابة أشياء مادية لا قيمة لها إطلاقاً. وحبّذا لو وضع مثيرو الحروبوخائضوها أنفسَهُم أو أولادَهُم وإخوتهم وأخواتهم في موضع من يصفونهم بـ “الأضرار المرافقة أو الجانبية”. إن الطبيعة التدميرية الهائلة للأسلحة الحديثة يستحيل استخدامها وتجنّب سقوط ضحايا بريئة بين المدنيين بحيث بات الحديث عن جرائم حرب من مخلَّفات الماضي، إذ إنّ الحرب بحدّ ذاتها باتَتْ جريمةَ الجرائم التي تُرتكب في غمارها. وبالتالي فمسألة العنف واللاعنف التي عالجها المهاتما غاندي بعمق باتت مطروحة اليوم بشكلٍ أكثر إلحاحاً من أي وقتٍ مضى، وبات الخيار بين اللاعنف والعنف خياراً بين الوجود والعدم، أي بين بقاء الجنس البشري أو اندثاره بحرب فناء شاملة. السلاح بحد ذاته مشكلة، لكن المشكلة الأكبر في مَن أوجده، ومَنْ يمسك به، ومن هو على استعداد لاستخدامه.
لم تنجَحْ عصبة الأمم المتّحدة في منع نشوب الحرب العالمية الثانية، الأكثر ضراوةً من الأولى. كما لم تنجَحْ منظّمةُ الأمم المتحدة بتحقيقِ وعدِ السَّلام الذي حملَتْه للعالم، إذ سقط في عهدها، منذ تأسيسها عام 1945، وحتى اليوم، عشراتُ الملايين من الضّحايا في جميع أرجاء العالم حيث استَغلَّتْ القوى العظمى المتصارعة الأزمات والانقسامات داخل الدول الأخرى، وخاضَت الحروب فيما بينها بواسطة “حلفاء” أو “زبائن” لها في هذه الدول.ولم يُفْضِ النظام الطائفي في لبنان، الذي وُصف في عام 1925 “بالمؤقَّت”، إلى إحلال السَّلام بين الطوائف، ومنع النزاعات والحروب بينها، بل أدّى إلى تجذُّر الطائفية بمرور الوقت، وتوسّع دائرتها، وتغلغلها في جميع الإدارات ومرافق الدولة والمجتمع، واتخاذها كياناتٍ تنظيميّة ميليشوية وحزبية طائفية مرتبطة بالمرجعيّات والمؤسسات الدينية، داخل الدولة وعبر حدودها.
ويشهدُ العالمُ اليوم تصاعداً مطَّرداً للعنف، وسباقاً محموماً على التّسلح واقتناء أسلحة الدّمار الشامل. ويترافق هذا المنحى مع تنامي الحركات القوميّة العنصرية والدينيّة، والأفكار الدينية التكفيريّة المتطرِّفة، واضطهاد الأقليات وتخوينها واعتبارها فلولاً استعمارية عميلةً للخارج، لا جزءًا لا يتجزأ من النّسيج الاجتماعي، يتمتع أفرادُها بالحقوق ذاتها التي يتمتّع بها أيّ فردٍ آخر من أفراد المجتمع إلى أي مجموعة إثنية أو عرقيّة أو دينية انتمى. والسياساتُ التي باتَتْ تنتهجها بعضُ الدول في مجالات الهجرة والعمل، واكتساب الجنسية بالتجنس أو الولادة، تعطي صورةً واضحة عن التحوّل الخطير الذي يمرّ فيه العالم؛ هذا التحوّل لا يستثني الديمرقراطيات الغربية العريقة التي تواجه تحديات كبرى مفصليّة في المحافظة على تراثها ومبادئها الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، أيّإنسان، دون تمييز أو تفريق على أساس مبادئ الحرية والمساواة للجميع في ظل سيادة القانون وأحكام العدالة.
هذه المبادئ الرائدة التي هي نتاجُ تطوّر تاريخيّ وفكريّ طويل، ومعاناةٍ قاسية، ومآسٍ وحروبٍ دامية، في إطار الحضارة الغربية المسيحية، هل تبقى المجتمعاتُ الغربية على إيمانها فيما أعلنته من أنها مبادئ إنسانية شاملة إزاء تنامي التنوّع المجتمعي فيها، المتأتّي عن تداخل الشعوب والثقافات جرّاء شبكة الاتصالات العالمية ووسائل النقل البرية والبحرية والجوية وتداخل وتشابك المصالح الدولية؟ وما أثارَتْهُ مسألةُ ارتداء الحجاب في فرنسا لسنواتٍ خلَتْ خيرُ دليلٍ على هذا التّحديّ. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنَّ الإعلانَ العالميّ لحقوق الإنسان الصادر بقرار الجمعية، العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10 كانون الأول 1948 لم تصادق عليه جميعُ الدّول بدون تحفُّظ، إذ إنّ بعضها تحفَّظ على ما تضمَّنَهُ من أحكامٍ تتعلّق بالحرية الدينية والمساواة بين المرأة والرجل.
ولا مندوحةَ عن التأكيد، في هذا السّياق، على أنّ أحد أهمّ الإنجازات التي حقّقها غاندي تتمثّل في فهمه العميق لمفهوم الدين وللوحدة الدينيّة التي تجمع الأديان المتعدّدة. فآراء غاندي في الدين والأديان مذهلة بجرأتها، وبسموّها، وبالدور المحوريّ الذي محضَهُ للعقل في تفهُّمها والاقتناع بتعاليمها أو رفضها، بما في ذلك نقدها بموضوعيّة. وقد أكَّدَ على أن فصلَ الدين عن الدولة لا يتعارض مع الدين، بل إنه مبدأ ديني أساسي. فالحريّة الدّينية المطلقة مرتبطة بالمساواة بين الناس. ولا يجوز لأيّ إنسان أن يفرُضَ قناعاته الدينية على سواه، كما لا يجوز للدولة أن تفرض عقيدةً دينيةً معينة على جميع المواطنين فيها. ومبدأ المساواة طَبَّقه غاندي أيضاً على المساواة بين الرجل والمرأة، وبين المواطنين إلى أيّ طبقة او عرق انتموا. وبفضل هذه التعاليم والمواقف العمليّة التي جسَّدها فيها تمَّ انتخابُ رئيسين لجمهورية الهند ذات الأكثرية الهندوسية الساحقة، بعد استقلالها، أحدُهما مسلم والأخر يتحدّر من طبقة المنبوذين التي اعتبرها المهاتما غاندي لطخة عارٍ على الهندوسية، وسعى لإزالتها وتنقية الديانة الهندوسيّة منها.
ولا بُدَّ من الاشارة كذلك إلى أنَّ طريق السلام الذي رسمه غاندي بحياته ومبادئه أبعدُ ما يكون عن الخنوع والاستسلام للظلم، أو الاستغلال، أو الطغيان، سواءٌ أتى من قوىً خارجيّة استعماريّة، أو من قوىً داخليّة في المجتمع والدولة. مقاومةُ الظّلم والتسلط والاستبداد البغيض واجب، وكان غاندي يعتبر أن عدم مقاومته والتصدي له جريمة بحق الخالق. لكنّ الغاية، في شرع غاندي، مهما كانت سامية لا تبرّر استخدام أيّ وسيلة لتحقيقها. ذلك أن الغاية تكتسب مزايا الوسيلة. الوسيلة التحريرية المثلى هي التي تحرّر الظالم والمستبد من ظلمه واستبداده، لأن مقاومَ الظلم والاستبداد يصبح حراً بممارستهِ لحريّته بمواجهة من يريد سلبه إياها. فالاستقلال نتيجة للحرية التي يمارسها الشعب، لا سببٌ لحريته. هذا النهج يتطلب شجاعةً تفوقُ شجاعة المواجهة العنيفة، كما قد يستدعي بذل تضحيات تفوقها. أفكار غاندي التَّحريريّة ألهمَتْ زعيم حركة الحقوق المدنيّة في الولايات المتحدة الأمريكية، مارتن لوثركنغ (Martin Luther King Jr)، كما إنها ألهمَتْ زعيمَ حركة تحرير جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا (Nelson Mandella).
وباختصارٍ كلّيٍّ أقول إن طريق السلام الذي دعا إليه المهاتما غاندي، وعبَّر عنه بحياته وأفكاره، يقوم على الإيمان المطلق بوحدانية الخالق، وبوحدة الأديان الجوهرية، ووحدة العائلة البشرية، وبأن البشر إخوة، يتمتَّعُ كلّ فردٍ من أفراد هذه العائلة الإنسانية، سواءٌ أكان رجلاً أم امرأة، ومهما كان عِرقه أو لونه، وغناه أو فقره، بالمساواة في الحقوق والواجبات، ومن بينها بالأخص الحرية الدينية المطلقة، واعتماد مبدأ اللاعنف على جميع الصعد. هذه العناوين العريضة لا تغني عن الغوص في التفاصيل التي تشرحها، والفلسفة التي ترفدها. وقد حاولتُ في فصول هذا الكتاب أن أستعرضها وأن ألقي أضواءً كاشفةً عليها.
زحلة في 1/ 1/ 2026



