المؤرخ الراحل كمال الصليبي في ذكراه الخامسة عشرة
سليمان بختي
مضى على رحيل المؤرخ كمال الصليبي ١٩٢٩-٢٠١١ خمس عشرة سنة، ولا تزال قنطرته عالية في التاريخ والثقافة.
وهذا البحمدوني الأصيل كان من مواليد كركول الدروز في بيروت . وظل حبه لبحمدون لا يدانيه إلا حبه لرأس بيروت. والبدايات تستدعي النهايات أو العكس. أتذكر قبل ثلاثة أيام من شهر أيلول من عام ٢٠١١ حين اتصلت بي سلوى من بيت الدكتور كمال القريب من شارع بلس، وسلوى هي ابنة طباخه السوداني محمد مكي وقالت بصوت مرتجف: “الاستاذ غايب عن الوعي”.
هرعتُ إلى منزله خلال دقائق ووجدتُ الدكتور كمال في حالة من الغيبوبة، ورأيت في البيت جاره الكابتن الطيار ماجد علام وزوجته نيكوليت. نقلناه إلى مستشفى الجامعة الأميركية ووافانا على الفور الدكتور فؤاد سامي حداد جراح الأعصاب الدماغية . طلب مني مرافقته إلى قسم تصوير الرنين المغناطيسي. نظر إلى الصورة وبدا متأثرًا وقال:”ضيعان هالدماغ… وأكمل بالإنجليزية بما معناه إن الدماغ غارق بالدماء”. وأضاف:”ليرقد بسلام وليس مقطّعًا Let him rest in peace not in pieces، قاصدًا استبعاد التدخل الجراحي والعمليات ومضاعفاتها.
بعد ايام قليلة جاد بأنفاسه الأخيرة والتحف الثرى بذلك المطل المشجر في بحمدون. وأراه كل يوم يكبر بعد الممات مثلما كان في الحياة.
اعطى كمال الصليبي جذوة روحه وشغف حياته لقضية البحث التاريخي العلمي الدقيق والمسند بالمنطق والاثباتات والشواهد. وكذلك الإصرار على كتابة تاريخ لبلادنا (كان يحب استعمال كلمة بلادنا) خارج الأساطير والفنانات المسبقة والغايات الموضوعة والمصممة. وفي التاريخ كان يردد ما كتبه صالح بن يحي في كتابه ” تاريخ بيروت”:
“إني اردت أن أجمع شيئًا يستفيد به الخلف من معرفة أخبار السلف من ذرية بحتر بن علي أمير الغرب ببيروت لأني لا أريد متعاليًا في السلف يصفهم بأزيد مما فيهم ولا حسودًا ينعتهم بما ليس فيهم”.
جمع الصليبي في تجربته المعايير الأكاديمية الدقيقة والأصالة والجرأة والربط المعرفي المفتوح الأفق. لذلك جاءت كتاباته وأبحاثه في التاريخ اللبناني والسوري والعربي والاردني وتاريخ التوراة متسمة بالرصانة والشمولية والجدية والعمق. كان منهمكاً في أيامه الأخيرة في كتابة عودة إلى الذكريات على نسق كتابه “طائر على سنديانة” وفيه عودة في الذكريات إلى بعض الحوادث التي كان مسرحها قرية بحمدون. وكذلك كتابة نص عن مقاهي بيروت مع رسومات للمقاهي من الرسام الراحل امين الباشا. وثمة كتاب وضعه عن سيرة رياض الصلح ولم يصدر وتعرّض لأخذ وردّ ووصل إلى منازعة قانونية بينه وبين آل الصلح ولا يزال مصير الكتاب مجهولا وبيد أصحاب العلاقة. وفي رأيي أن من أسباب الخلاف الفصل الذي كتبه الصليبي في الكتاب عن أنطون سعاده وحزبه.
لبث الصليبي على حيويته الفكرية حتى آخر يوم من عمره، ونادراً ما كان يمر صحافي عربي أو أجنبي في بيروت دون زيارته ودون الاستزادة برأيه ومشورته وحكمته.
درب كمال الصليبي نفسه وذهنه تدريبًا داخليًا قاسيًا وتدريبًا روحيًا طويلًا على التجرد إلى حد اأن الأمر ازدوج لديه ليصبح التاريخ نفسه هو التجرد ليس إلا. قال لي غير مرة:
“إن كتابة التاريخ صناعة والصناعة إتقان والاتقان مراس والمراس صعب”.
نتذكر المؤرخ كمال الصليبي وندرك مبلغ الفراغ الذي خلفه. ولكننا نتعزى في كتبه وأوراقه وسيرته وعشرته المؤنسة ولطفه الذي كان يهمس أو يوشوش. ونفتقد فكره الخلاق على وقع الأيام التي كانت له وكان لها . وكان مثمرًا وارفًا لأنه من شجرة المعرفة الأصيلة والمزدهرة دائمًا.
***
*الصورة الرئيسية: دكتور كمال الصليبي متوسطًا الأديب سليمان بختي والأديب الدكتور محمود شريح



