دروب ميخائيل نعيمه: رحلة في الطبيعة والروح
فاروق غانم خداج
في صباحِ أحدٍ هادئٍ من صباحاتِ الجبل اللبناني، حملتُ معي كتاب «دروب» لـ ميخائيل نعيمه، الصادر عن دار هاشيت أنطوان تحت دمغة نوفل، في طبعتِه الثالثة عشرة الصادرة عام 2015، ومضيتُ نحو الطبيعة كأنّي أذهبُ إلى لقاءٍ قديمٍ مع نفسي. كانتِ السماءُ صافيةً على نحوٍ يجعلُ الإنسان يشعرُ بأنّ الله يفتحُ نافذةً إضافيّةً للضوء، وكانتِ الأشجارُ الممتدّةُ على أطرافِ الطريق تُشبهُ حكماءَ صامتين يعرفون أسرارَ العمر أكثر ممّا يعرفها البشر. جلستُ قربَ صخرةٍ مطلّةٍ على الوادي، وأخرجتُ الكتابَ ببطءٍ يشبهُ احترامَ الأشياءِ التي رافقتْنا طويلًا في الداخل قبل أن نلمسَها باليد.
ثمّة كتبٌ نقرؤها، وثمّة كتبٌ أخرى تمشي معنا طويلًا بعد القراءة، و«دروب» من تلك الكتب التي لا تغادر القارئ بسهولة، لأنّها لا تقدّم حكاياتٍ بقدر ما تفتح أبوابًا داخل النفس. لم أشعر وأنا أتصفّحه أنّي أمام مجموعة نصوص متفرّقة، بل أمام روحٍ تحاول أن تفهم العالم دون ضجيج. كان ميخائيل نعيمه يكتب كما لو أنّه يجلس قرب قارئه لا فوقه، وكأنّ الحكمة عنده ليست استعراضًا ثقافيًّا بل مشاركة إنسانيّة هادئة. ولو كان جبران خليل جبران يكتب بانفعال النبوّة، فإنّ نعيمه يكتب بتنفّس الصلاة.

كلّما رفعتُ عينيّ عن الصفحات، رأيتُ الطبيعةَ تُتمّ ما يقوله الكتاب. الأشجار التي تهتزّ مع الريح بدت كأنّها تُصغي هي أيضًا إلى ميخائيل نعيمه، والعصافير التي كانت تمرّ فوقي جعلتني أشعر أنّ بعض الكتّاب لا يُقرأون داخل الغرف المغلقة، بل تحت السماء مباشرة. وفجأة، سقطتْ ورقةُ تينٍ صفراءُ على صفحةٍ كان يتحدّث فيها عن الزمن، فخطر لي أنّ الطبيعة تضع هي أيضًا هامشها الخاص على كلمات نعيمه. هناك، في تلك العزلة الجميلة، فهمت لماذا بقي هذا الكاتب حيًّا في ذاكرة القرّاء رغم مرور العقود. إنّه لا يكتب للزمن العابر، بل لذلك التعب الإنساني القديم الذي يسكن الإنسان أينما كان.
ومن بين النصوص التي شدّتني بقوّة، كان نصّ «الشباب ثروة وثورة». شعرت وأنا أقرأه أنّ ميخائيل نعيمه لم يكن يتحدّث عن الشباب بوصفهم فئة عمريّة فقط، بل بوصفهم طاقة أخلاقيّة وروحيّة قادرة على تغيير العالم. لم يكن يقصد الثورة بمعناها السياسي الضيّق، بل الثورة على الخوف والكسل والجمود الداخلي. كان يرى أنّ أخطر ما يُصيب الشباب ليس الفقر، بل فقدان المعنى. وربّما لهذا تبدو كلماته اليوم أكثر حداثةً ممّا نتخيّل، لأنّ شباب هذا العصر أصبحوا أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة، وأكثر عجزًا عن الوصول إلى الحكمة. إنّهم يعيشون وسط ضجيجٍ هائل من الشاشات والسرعة، لكنّ أرواحهم تعاني جوعًا باطنيًّا للسكينة.

أمّا نصّ «أكلوني البراغيث» فقد جعلني أبتسم طويلًا، لا لأنّه نصّ ساخر فقط، بل لأنّ ميخائيل نعيمه استطاع أن يحوّل حادثة صغيرة إلى تأمّل في الإنسان والحياة. تلك القدرة على استخراج المعنى من التفاصيل البسيطة هي ما يميّز الأدباء الحقيقيين. فالكاتب العادي يحتاج إلى أحداث ضخمة ليكتب، أمّا الحكيم فيستطيع أن يرى العالم كاملًا داخل تفصيل صغير. وبينما كنت أقرأ النص تحت الأشجار، شعرت أنّه يريد أن يقول لنا إنّ الإنسان يتعب أحيانًا من أشياء صغيرة أكثر ممّا يتعب من الكوارث الكبرى، لأنّ التفاصيل المتكرّرة تستنزف الروح ببطء.
ثمّ مررتُ على نصوص أخرى من الكتاب، مثل «الغد المجهول»، فشعرت أنّ ميخائيل نعيمه لا يكتب عن المستقبل بوصفه زمنًا آتيًا فقط، بل بوصفه خوفًا إنسانيًّا دائمًا. إنّه يعرف أنّ الإنسان مهما تقدّم في العمر يبقى خائفًا من المجهول، ويحاول أن يخبّئ هذا الخوف خلف العادات والانشغالات والكلمات الكبيرة. لكنّه، بهدوئه المعهود، كان يزيل الأقنعة بلطف، لا بعنف.

ولعلّ أجمل ما في «دروب» أنّه لا يقدّم نفسه ككتاب أجوبة نهائيّة. ميخائيل نعيمه لا يتكلّم كنبيّ يوزّع الحقائق، بل كإنسان سار طويلًا في الحياة ثم عاد ليخبر الآخرين بما رآه في الطريق. ولهذا تأتي نصوصه هادئة، متأمّلة، خالية من الجلبة. إنّه يكتب كما تتدفّق المياه في نبع جبلي: صافية، باردة، وعميقة دون ادّعاء.
وفي أثناء القراءة، كنت أشعر أنّ الطبيعة نفسها جزء من فلسفة ميخائيل نعيمه. فهو من الكتّاب الذين لم يفصلوا الإنسان عن الأرض، ولا الروح عن الشجر والريح والجبال. لأنّه كان يؤمن بأنّ الأرض ليست خلفية لحياة الإنسان، بل كتابًا موازيًا يقرأه من يعرف لغة الجذور والريح. وربّما لهذا السبب شعرت أنّ قراءة «دروب» داخل الطبيعة ليست مجرّد صدفة، بل الطريقة الصحيحة لقراءته. فالكتاب نفسه يشبه طريقًا جبليًّا طويلًا: أحيانًا يكون هادئًا، وأحيانًا متعبًا، لكنّه دائمًا يقود إلى اكتشاف جديد.

ومع تقدّم النهار، بدأت أشعر أنّ الكتاب لا يشرح الحياة فقط، بل يخفّف قسوتها أيضًا. هناك كتّاب يجعلون القارئ أكثر تعقيدًا، وكتّاب يجعلونه أكثر إنسانيّة، وميخائيل نعيمه من النوع الثاني. إنّه لا يُشعرك بتفوّقه الثقافي، وهذه أندر صفات الكتّاب الكبار: ألّا تجلس أمامهم كتلميذ، بل كصديق يعترفان معًا بجهلهما المشترك.
حين أغلقتُ «دروب» في ذلك المساء، لم أشعر أنّي أنهيت كتابًا، بل شعرت أنّي خرجت من حديث طويل مع رجل عرف الحياة جيّدًا، ولم يفقد رغم ذلك إيمانه بالإنسان. ولهذا أرى ميخائيل نعيمه ليس مجرّد أديب مهجري كبير، بل حكيمًا من حكماء هذا الشرق، من أولئك الذين أدركوا أنّ المعرفة الحقيقيّة لا تقوم على كثرة الأفكار، بل على صفاء الروح. لقد فهم، قبل زمن طويل، أنّ الإنسان قد يمتلك العالم كلّه ويظلّ ضائعًا إذا لم يجد الطريق إلى داخله، وربّما لهذا سمّى كتابه «دروب»، لأنّ أعقد الطرق ليست تلك التي نسير فيها بأقدامنا، بل تلك التي نعبرها داخل أرواحنا. وعدتُ إلى المنزل وأنا أحمل بين أضلعي وردةً جبليّةً صغيرة وضعتها بين صفحات «دروب»، لأنّ أجمل الكتب هو ما يجعلك تصطحب الطبيعة معك إلى داخلك، لا العكس.
***
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني



