من “الإبريق الفارغ” إلى “سفر الذاكرة”… حين تتحوّل التربية إلى سيرة وطن
فاروق غانم خداج
في صيف 2009، كنت أصحّح أوراق امتحان الشهادة المتوسطة، والوقت يمضي ببطء ذلك النهار الحار، والاختبارات تتشابه أمامي كأنها وجه واحد يتكرر. ثم أوقفتني جملة. لم تكن تنتظر إجابة صحيحة، بل كانت تنتظر شيئًا أصعب: قارئًا حقيقيًا.
النص بعنوان “الإبريق الفارغ”، وصاحبه رجل لم أكن أعرفه بعد: شفيق أمين يحيى.
أكملت التصحيح بيدي، لكن شيئًا آخر فيّ توقف تمامًا، وظل واقفًا هناك يتأمل. لم يكن النص يصرخ ليُقنع، ولم يتزيّن بالبلاغة ليُبهر. كان يجلس إلى جانب القارئ بهدوء مَن يعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى رفع الصوت. وهذا بالضبط ما أربكني: أن يحمل نصٌّ رسمي هذه الحرارة الإنسانية الخافتة، وأن تكون اللغة فيه نافذةً لا جدارًا.

تساءلت آنذاك: من أي عجينة صُنع هذا الرجل؟ ولم أكن أعلم أن الإجابة ستأخذ سنوات، وكتبًا، وكثيرًا من التأمل في معنى أن تبقى دولة حية حين يهرب منها الجميع.
حين بدأت أفتّش عنه، اكتشفت أن ما أوقفني في ذلك النص لم يكن صدفة أسلوبية، بل حصيلة عمر كامل في الميدان. وُلد عام 1938 في عرمون، ونهل في مدرستها الرسمية عن معلمين جمعوا بين الشعر والتعليم، فزرعوا فيه مبكرًا تلك الحساسية التي لا تُكتسب من الكتب وحدها، بل من مراقبة الفرق بين مَن يعلّم ومَن يُضيء.
انطلق في مسيرته عام 1959 حين أعاد بمفرده افتتاح مدرسة أغميد الرسمية المغلقة، وكرّر الفعل نفسه في مدرسة عيناب عام 1964، وعمل فيها معلمًا ومديرًا خمس عشرة سنة متواصلة حتى عام 1979. لم يكن هذا إنجازًا وظيفيًا، بل إعلانًا مبكرًا عن طبيعة رجل يرى في المدرسة المغلقة جرحًا في الوطن يستوجب الإسعاف قبل التقرير. وحين لاحظ مندوب المجلس الثقافي البريطاني درسًا له في عيناب عام 1968 فأوصى باختياره مدرّبًا تربويًا، لم يكن ذلك منحةً من الخارج بقدر ما كان اعترافًا بشيء كان موجودًا أصلًا.

في عام 1979 انتقل إلى التفتيش التربوي، فنفّذ 3077 زيارة على امتداد اثنتين وعشرين سنة في جميع المحافظات اللبنانية، غير عابئ بالحرب ولا بالقصف ولا بالثلج.
هذا الرقم وحده يستوقف، ليس لضخامته، بل لأن خلفه سؤالًا لبنانيًا عميقًا لم يجب عنه أحد بالكلام بل بالسيرة: كيف تبقى الدولة قائمة حين يهرب منها كل من يستطيع؟ عبر إلى قضاء حاصبيا تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، ليقول للمواطنين هناك بحضوره الجسدي ما عجزت عنه البيانات الرسمية: أنتم لم تُنسوا. وانتقل بطائرة عسكرية عمودية إلى البقاع عام 1983 لمواكبة الامتحانات الرسمية حين قطعت الحرب طريق ضهر البيدر. وخطا فوق الجليد إلى مدرسة فالوغا ليقول بصوت هادئ لا يشبه الخطابة: “من لا يأتي إليكم في الصقيع لا يستحق أن يأتي إليكم في الربيع.”
هذه الجملة ليست استعارة شعرية. هي موقف أخلاقي قيل وقدماه تغوصان في الثلج، وهذا الفارق بين من يكتب المواقف ومن يعيشها هو ما جعل نصوصه تختلف عمّا عهدته على طاولة التصحيح.
هذا الرجل كتب. وحين كتب، لم يستعر من أحد.
في “آراء في الإنقاذ التربوي” الصادر عام 2001، وصف المفتش العام الدكتور محمد كاظم مكّي مضامينه بأنها “من خبز التربية البلدي، غير المستوردة من الخارج، لأنها خلاصة معاناة يومية وتجربة مستمرة.” هذا التوصيف يقول ما لا تقوله المراجعات النقدية عادةً: أن ثمة كتّابًا يكتبون عن الميدان، وثمة من يكتبون منه، والفرق بينهما هو الفرق بين من يصف الجبل ومن صعده.
أما “خواطر تربوية” الصادر عام 2003، الكتاب الذي احتضن “الإبريق الفارغ”، فقد قال عنه الأستاذ سامي بريدي في تقديمه جملةً تختصر الكاتب وكتابه معًا: “شفيق يحيى هو الكتاب. تجده في كل كلمة، بعيدًا عن التكلف والأبراج العاجية.” وهذا هو المفتاح الذي يفتح باب فهم لماذا أوقفني نصه يوم التصحيح: حين لا ينفصل كاتب عمّا يكتبه، يجد القارئ نفسه هو أيضًا غير قادر على الانفصال عمّا يقرأه.

وقفت طويلًا أمام هذه المعادلة: الإبريق في عنوان الكتاب كان “فارغًا” ظاهريًا، لكنه في حقيقته لم يكن كذلك يومًا. كان ممتلئًا بأشياء لم يكتشفها المصحّح الشاب إلا لاحقًا، بعد أن أتى الزمن بما يكفي من التجربة لفهم ما كان النص يقوله بين السطور: أن العطاء الحقيقي لا يُرى في لحظته، وأن المدرسة الرسمية كانت تحمل وطنًا بأكمله دون أن يشكرها أحد.
حين وصلت إلى “سفر في الذاكرة التربوية” الصادر عام 2025 عن دار الأنام، في نحو ثلاثمئة وخمسين صفحة موزعة على خمسة فصول، أدركت أن ما بين يديّ ليس مذكرات بالمعنى المألوف. المذكرات تروي ما مضى وتضعه في الأدراج. أما هذا الكتاب فيضع الماضي أمامك ثم يسألك بهدوء: أين أنت منه اليوم؟
يبدأ من طفولة عرمون، من تلك الجذوة الأولى التي أوقدها معلمون شعراء في نفس صبي كان يميّز بالفطرة بين من يعلّم ومن يؤثّر، ثم يسير عبر عقود التعليم والإدارة والتفتيش لا كأرشيف وظيفي بارد، بل كخريطة وجدانية لوطن كان يحاول البقاء متماسكًا عبر مدارسه الرسمية في زمن كان فيه كل شيء آخر يتفكك. وهنا تكمن الحمولة الفلسفية التي يحملها النص دون أن يُعلنها: أن المدرسة الرسمية لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت آخر الأدلة على أن دولةً ما زالت تتذكر مواطنيها.
الأكثر إدهاشًا أن صاحبه، رغم أن سيرته تسمح له بتمجيد ذاته بكل حق، اختار أن يضع الرسالة في المقدمة ونفسه في الهامش. فالرجل الذي نال وسام الأرز الوطني من رتبة فارس، وكُرّم من زحلة إلى تورنتو، وعنه قال رئيس التفتيش المركزي فؤاد هيدموس إنه “ساهم في تغيير النظرة إلى التفتيش التربوي برمّته” حين حوّله من أداة رقابة وعقاب إلى فعل بناء وإرشاد — كتب عن المعلمين الذين لم تُذكر أسماؤهم، وعن القرى التي كانت تنتظره كأنه يحمل إليها دليلًا على أن ثمة دولة ما زالت تفكر فيها. ولهذا رأى الدكتور قصي الحسين أن الكتاب يمثّل في جوهره “أنطولوجيا الرسالة التربوية”، لا سيرة فرد.

من أقواله التي تختصره دون أن تستنفده: “أطردوا الفقر من المدرسة الرسمية.” و”التفتيش التربوي ليس سلطة للتمتع بها، بل خدمة نؤديها للناس عبر المدرسة.” هذه ليست شعارات صِيغت للمنابر، بل مبادئ اختُبرت في الطرق الخطرة والمدارس المغلقة قبل أن تصير جملًا مكتوبة. وصفه المفتش التربوي فؤاد مراد بأن “عزة نفسه هي الرقم الصعب الذي لا يفرّط به مهما كان الثمن.” وهذا ما يشعر به القارئ وهو يطوي الصفحة الأخيرة: أنه أمام رجل لم يبِع رسالته يومًا، لا لسلطة ولا لراحة، ولا حتى للخوف حين كانت القنابل تتساقط حول المدارس التي اختار أن يزورها.
رحلتي مع شفيق يحيى لم تبدأ من ندوة أدبية أو صفحة ثقافية، بل من طاولة تصحيح حيث أوقف نصٌّ امتحاني يدَ مصحِّح وزرع فيه سؤالًا ظل يكبر سبعة عشر عامًا: هل التربية فعلًا رسالة، أم أننا نقول ذلك ونعني أشياء أخرى؟
أجاب شفيق يحيى على هذا السؤال بالسيرة كاملة، حين حوّل التربية إلى سيرة وطن: بكل زيارة خاطر فيها بسلامته، وبكل مدرسة أعاد فتحها، وبكل معلم وقف إلى جانبه حين كانت الدولة تتراجع خطوةً خطوة.
الإبريق لم يكن فارغًا يومًا؛ كنت أنا من لم أرَ ما فيه بعد.
***
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني



